رحيل إدغار موران Edgar Morin ، مفكّر القرن !

رحيل إدغار موران Edgar Morin ، مفكّر القرن !
أنطوان يزبك*
أجل الكبار عندما يرحلون يتركون فراغا خلفهم ، خاصة عندما يكون المتوفي بحجم فيلسوف مثل إدغار موران ولكن فكرهم يظل راسخا و متمكنا من أصول المعرفة لأنه يضيف شيئا على الفكر البشري لا يمكن الاستغناء عنه .
رحل المفكّر الكبير و المعمّر إدغار موران . فقد توفّي المدافع عن مفهوم «الفكر المركّب» بعد حياة حافلة. بعد انخراطه في صفوف المقاومة الفرنسية خلال الحرب العالمية الثانية، كوّن نفسه بنفسه بوصفه عصامياً. حضر بعض الدروس الجامعية، لكنه لم يحصل على أي شهادة أكاديمية. وكان يمازح الناس بشأن ذلك قائلاً: «تم انتخابي مديراً للأبحاث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي ، من دون أن أكون قد كتبت أطروحة دكتوراه».
على مدى قرن تقريباً، ظل موران ظاهرة فريدة في المشهد الفكري الفرنسي.

كان مفكراً مستقلاً حرّاً، حافظ حتى آخر أيامه على استقلالية فكره وشغفه بالمشاركة السخيّة للمعرفة. وفي صيف عام 2021، بمناسبة بلوغه المئة عام، منح الفيلسوف حواراً مطولاً إلى الصحافة تحدّث فيه عن محاور فكرية مهمة . ترك موران وراءه إرثاً فكرياً غنياً ومتنوّعاً و من أبرز أعماله: «النموذج المفقود: الطبيعة الإنسانية» (1973)، والأجزاء الستة من «المنهج» (1977-2004)، و «من أجل سياسة حضارية» (2002)، وأخيراً «دروس من قرن من الحياة» (2021).
يُعد مفهوم الفكر المركّب، المحور الأساسي في فكر موران، وقد استلهمه خصوصاً من الطبيب النفسي الإنجليزي ويليام روس آشبي (1903-1972). كما أوضح موران ، فقد اعتدنا على «تجزئة الواقع إلى شظايا» لدراسة كل جزء منه وفق منطق «تقسيم العمل العلمي». وقد سمح لنا ذلك بفهم بعض جوانب الواقع بشكل أفضل، لكنه لم يمكّننا من فهم الواقع في عمله الكلي.
يقول موران موضّحا : «المشكلة الحقيقية في إصلاح الفكر هي أننا تعلّمنا الفصل بإتقان شديد. والأفضل أن نتعلم الربط. والربط لا يعني مجرد إنشاء اتصال بين الأشياء، بل إقامة علاقة دائرية متبادلة .
بما أن التفكير ينبغي أن ينطلق من الكل قبل الأجزاء، فقد اتّجه موران طبيعياً إلى دراسة الأنظمة، مثل الكائن الحي والمجتمع وغيرهما. وقد تأثر في ذلك بأعمال نوربرت وينر (1894-1954) حول السيبرانية (علم التحكم الآلي)، وبأعمال كلود شانون في نظرية المعلومات.
يرى موران أن للنظام بُعدين متناقضين : فمن جهة، «الكل أكبر من مجموع أجزائه»، لأن هناك «خصائص ناشئة» تنبثق من تنظيم الكل، ويمكنها أن تؤثر لاحقاً في الأجزاء . ومن جهة أخرى، «الكل أقل من مجموع أجزائه»، لأن بعض خصائص الأجزاء قد تُكبح أو تُعطَّل بفعل تنظيم المنظومة ككل.
كما يؤكد موران، وفق المبدأ «الهولوغرامي»، أن الكل حاضر في كل جزء من أجزائه، كما يوجد الشيفرة الوراثية كاملة في كل خلية من خلايا الجسم.
ويتميّز كل نظام بديناميات من الحلقات الراجعة والتكرارية؛ فالأثر يؤثر في سببه. ذلك أن الأفراد يصنعون المجتمع، لكن المجتمع بدوره ينتج الأفراد ويُؤنسنهم .
فضلا عن ذلك اهتمّ موران بشكل خاص بالأنظمة الحيّة القادرة على التنظيم الذاتي، أو بالأحرى «التنظيم الذاتي-البيئي». فهذه الأنظمة تنتج نفسها بنفسها، لكنها في الوقت نفسه تستهلك الطاقة للحفاظ على استقلالها، ولذلك تحتاج إلى استمداد الطاقة من بيئتها، التي تعتمد عليها لكي تبقى مستقلة.
يشرح فكرته على النحو التالي قائلاً :
«كل نشاط تنظيمي مستقل يبدّد الطاقة ويحتاج إلى العثور على الطاقة في محيطه. ومن هنا تنشأ الفكرة التي تبدو متناقضة : الاستقلالية المعتمدة على الغير».
وبالتالي فإن التنظيم الذاتي للكائن الحي لا يمكن فصله عن البيئة التي يعيش فيها .
تقوم الأنظمة بالنسبة له على أقطاب متوترة ومتعارضة في آن واحد. فهناك «النظام (التكرار والثبات)» و«اللانظام (الضوضاء والفوضى)». والتحدّي يكمن في استخراج الجديد، أي المعلومات ذاتها، التي تصبح عندئذٍ عنصراً منظِّماً ومبرمجاً للمنظومة.
المعلومة تحلّ كحالة من عدم اليقين، وكل نظام يحتاج إلى أن ينتزع نفسه من الفوضى لكي يتكوّن. والكائن الحي يكافح باستمرار ضد تدهوره الخاص، وضد الموت الذي يحمله في داخله.
مع ذلك، فإن الفوضى لا تُهزم أبداً بشكل نهائي. فهي تشكل الخلفيّة الدائمة لوجودنا. ولذلك يجب أن نتعلم العيش والتفكير معها.
من أقوال إدغار موران :
«يجب أن نتحمل اللايقين بقوة وحيوية. فاللايقين يحمل في داخله الخطر، لكنّه يحمل أيضاً الأمل. إن المعرفة تتقدم عندما تدمج اللايقين في داخلها، لا عندما تحاول طرده».
كما يشبّه المعرفة بأنها «إبحار في محيط من حالات اللايقين عبر أرخبيلات من اليقين».
ويخلص في نهاية المطاف إلى أن :
«المعرفة والتفكير لا يعنيان الوصول إلى حقيقة يقينية مطلقة، بل الدخول في حوار دائم مع اللايقين».
غذّى هذا القلق الخلّاق والسعيد حياة موران كلها، وجعلها حياة زاخرة بالإبداع والتجديد الفكري. واليوم مع وفاته لا تنتهي حياته بل تبدأ و تتجدد مع كل فكر يخوض غمار رسالته الفكرية و يدخل عالم الفلسفة الشيّق و إبداعات مفكريه التي تصقل التجربة البشرية عبر الزمن .




