أم رياض: قديسة رأس بيروت

الكاتب زياد كاج
حسبناها لن ترحل، لكنها استسلمت لغفوتها الأخيرة بسلام، أطعمت اليمام قرب سريرها، ثم عادت الى ضيعتها خفية!
لا جرس كنيسة قُرع لها، ولا مصلين يصلّبون على صدورهم… هكذا، “ع السكيت” عادت الى مسقط رأسها. فبدت لي الضيعة من فوق التلة، فاقدة للجمال الذي لطالما أراحني وسرق تأملي وشرودي من الشير المشرف على تلال وهضاب خضراء ساحرة. لا، لم تكن تلك الضيعة التي عرفتها طفلاً، وأكلت من ثمار توتها وعنابها، ولا كان نهار ذاك اليوم مشعاً، بل مظلماً، رمادياً، شهد ظلالنا أنا وأخوتي تتحرك في حيرة وتردد.
لطالما استمتعتُ بالقيادة في طريق الضيعة الطويلة نسبياً بعد بحمدون، فأخفف من سرعة السيارة عمداً، مما أثار غضب سائقين خلفي، فأفسح لهم المجال ولا أُسرِع، كي أتنشق الهواء النظيف، وأسرق مشاهد الطبيعة الخلابة، وأعيش الهدوء الذي نفتقده نحن سكان المدن، والذي قطفت منه أمي خلال زياراتها القليلة في الصيف، كما كانت تقطف حبات التوت من شجرة بيت أبيها
لكني في ذلك اليوم، حينما توجّب علينا تسليم الأمانة، تركز نظري على السيارة السوداء خلفي طوال الوقت، لأنها كانت تنقل جسد “قديسة رأس بيروت”، أم رياض، أمّنا، وحبيبة كل من عرفها من أقارب وجيران وأصدقاء. عند رحيل الانسان الفاضل وصاحب النفس النقية، يظهر جمهور المحبين كشاهد وختم على حسن سلوك الفقيد.
قداس الوداع، في “كنيسة مارالياس بطينا” في بيروت، كان جامعاً لمسيحيين ومحمديين ومعروفيين. كبر قلب الأب عطايا، الذي أرح قلوبنا بعظته وصلاته وتواضعه. بيني وبين الحزن عداوة ومسافة، علمتني الحياة أن مسكنه القلب، لا الوجوه. لكنه ختم القداس بعبارة: “فليكن ذكرها مؤبداً” التي ذبحتني، فبكيت، وتنبهت إلى أن أم رياض، الثابتة، الصابرة، المحبة لكل الناس، قد رحلت فعلاً هذه المرة، ولو بالجسد. “نوّرت الكنيسة”، قال الأبونا للحاجة أم حسن المحجبة لشدة تأثرها، وهي أكثر من عرف الفقدان بخسارة ابنها حسين، وزوجها، وحفيدتها ابنة أخي سارة. آلمها جداً خسارة بيتها الزوجي في الحرب الأخيرة.
سكنت قلوبنا واستراحت، أنا وأخي رياض وأختي عايدة، لتمكننا من إقامة صلاة راحة نفسها كما أحبت، بعد تعذّر ذلك في كنيسة الضيعة! لم تطلب أم رياض لنفسها شيئاً. تكللت مسيرتها كلها بالعطاء ومحبة الناس، كل الناس. ربما لا يصدق القارىء أن أمّنا لم تشهر مسيحيتها يوماً أمامنا. فقد كانت شخصية رأس بيروتية جامعة، في قلبها الكبير حب مريم العذراء وإيمان ورحمة المسلمين وأجواء شهر رمضان وعيد الفطر. حاولت عبثاً أن أجد لها عدواً، يتحدث عنها بسوء، مبغضاً في مكان ما، ففشلت فشلاً ذريعاً.
غريب أمر أم رياض… كانت بينها والبغضاء عداوة. عاشت بسيطة ورحلت ببساطة وهدوء. حاربت قدرَها بصبر وصمت. مَن يخرج من طائفته في بلادنا، يصاب بالبرد الشديد، ويشعر بالعراء والانكشاف والمعطوبية الاجتماعية. “آخر” في أرض الآخرين.
أم رياض في صباها، هربت خطيفة مع المرحوم أبي، إلى الكويت. وعندما عادا معاً الى بيروت، وجدت أمي في عائلة زوجها العطف، والقبول والحماية، لا سيما من جدتي المرحومة خديجة منيمنة. لم يطلب منها أحد تغيير ديانتها، فبقيت من أتباع السيد المسيح في القلب وبطاقة الهوية. أعرف أن الأمور والتجارب التي واجهتها في البيئة الجديدة لم تكن سهلة ولا وردية. أشتم رائحة استغلال وشيئاً من الاسترخاص الذي يتحمل مسؤوليته أبو رياض بالدرجة الأولى.
دخلت في مملكة الصمت، ومن حقول عطايها وتضحياتها على حساب راحتها، تعلمنا دروساً في أساسيات الحب، وقبول الآخر، واحترام الناس، ونبذ النميمة، والرهان على العلم والتعلم لأنه كان “سجادتنا السحرية” للخروج من نفق الفقر والجهل إلى المستقبل. أم رياض، الأمّيّة، طردها خوري ومعلّم القرية من تحت الشجرة خلال حصة الدرس، لأنها لم تجلب قرطاساً. من هنا كان إصرارها على تعليمنا حتى المرحلة الجامعية.
ألم تستحق أم رياض قرع جرس الكنيسة في ذاك اليوم؟ ألم تستحق أصابع أهل ضيعتها وهي تصلّب على صدورٍ مُحبّة، وسط عبق البخور والصلوات؟
سررنا لمشاركة أقاربنا وأهلنا، الذين نزلوا من الضيعة وأتوا من بعيد إلى بيروت، في القداس، وعلى وجوههم الحزن وشيء من الحرج. ما ذنبهم؟ الواقع والتقاليد أقوى منهم. بفضلهم، كنا عرفنا خلال القداس متى نقف ومتى نجلس. كان قداساً عابقاً بأجواء الإيمان وسط الأيقونات ورائحة البخور وصوت الأب الطيب الحنون يصدح في ضوء الشموع. كان قداساً “وطنياً” تماماً، كما عاشت أم رياض في رأس بيروت.
لو كان لك يا أمي أن تري كم كان الشجر حزيناً على ضفاف طرق الضيعة الغارقة في حياتها اليومية. لو كان لك أن تري كم كان الصخر قاسياً، وكم كانت البوابة الحديد للمقبرة باردة لا مبالية. لولا أولاد خالتي روزيت وخالي مخائيل، الذين كانت لهما مكانة خاصة في قلبك، لما كانت “صلاة البخور” أمام البوابة الحديد المقفلة، فوق التلة المشرفة على الكنيسة والضيعة والتلال المحيطة، والهواء حر طليق من كل قيد.
تستحقين “أم رياض” أكثر من ذلك بكثير، لكننا قمنا بأفضل ما قدر الله لنا. ودّعنا جسدك المتعب فوق مرتفع تتلاعب بأعشابه الرياح الحرة، لكن نفسك وأثرك الطيب وعطر روحك الطاهرة ستبقى في رأس بيروت، وفي وجداننا وذاكرتنا، وفي وجدان كل من عرفك من قرب.
إني لأخجل من هذه الكلمات والسطور القليلة. لأنك أم رياض أكبر من مما تقدمه اللغة. وفي وصف كبار الأنفس خيانة للواقع وتقصير.
حاولنا حمايتك من الحزن، فأخفينا عنك رحيل ابنة أخي سارة التي كنت تحبينها كثيراً، وأخفينا رحيل خالي المحب ميخائيل. لكنك ظللتِ تسألين عنهم بالفطرة وبالنظرات.
“كيف شغلك؟”، كنت تسألينني كلما جلست قربك، لأنك كنت تعين أهمية الشغل كقيمة وفعل وجود للإنسان في مجتمعه، وكنشاط أمان من العوز والانكشاف الذي طاردكِ منذ تركتِ قريتِك إلى مدينة حيث تلقفتكِ برجوازية تحتقر كل ما له علاقة بالريف!
شقيقتي عايدة ضحت وحرقت شيئاً من صحتها الجسدية والنفسية في خدمة أمي في خريف عمرها، فكانت كالجندي المسعف على الخطوط الأمامية. أخبرتني عن يمامة اعتادت دخول الصالون والأكل من فتات الكعك الذي كانت أمي تحبه مع الشاي بعد الظهر. بقيت تلك اليمامة وفية لأم رياض بعد دخولها المستشفى لشهر وأكثر. وفي فجر يوم رحيلها، عادت عايدة لتجد اليمامة قرب السرير! بصعوبة وحذر حملَتها الى الخارج، فطارت لتستقر بين أغصان شجرة المانغا المواجهة والتي كانت أمي تتأملها كل يوم.
يقول الراهب الروسي راسبوتين (1869-1916)، الذي تحول من فلاح بسيط في سيبيريا إلى شخصية روحية غامضة سيطرت على العائلة الامبراطورية الروسية، قبل أن يتم اغتياله في ظروف غامضة: “كلما زادت المعاناة، زاد اقتراب الإنسان من فهم النور الإلهي”.
نقلا عن موقع المدن الإلكتروني




