أدب وفن

البشير عبيد: «في أحضان رجل ظل» لرانيا الحمامي: خفايا الدولة العميقة بين السلطة والحب والمصير الإنساني

«في أحضان رجل ظل» لرانيا الحمامي: خفايا الدولة العميقة بين السلطة والحب والمصير الإنساني

البشير عبيد / تونس

في الأزمنة العربية المثقلة بالتحولات السياسية والاجتماعية، لم تعد الرواية مجرد حكاية تُروى أو عالمًا متخيّلًا منفصلًا عن الواقع، بل أصبحت فضاءً معرفيًا وأخلاقيًا تتقاطع داخله الأسئلة الكبرى المتعلقة بالسلطة والعدالة والحرية والهوية. وقد غدت الرواية العربية الحديثة، في كثير من تجلياتها، مختبرًا لفهم الأعطاب العميقة التي تصيب الدولة والمجتمع والإنسان معًا، ومجالًا رحبًا لاستكشاف ما تخفيه الخطابات الرسمية وما تسكت عنه السرديات السياسية السائدة.
و من هذا الأفق الفكري تنطلق رواية «في أحضان رجل ظل» للكاتبة التونسية رانيا الحمامي، بوصفها نصًا يتجاوز حدود الحكاية المباشرة ليغوص في واحدة من أكثر المناطق التباسًا في الواقع العربي المعاصر: منطقة العلاقة المعقدة بين السلطة والنفوذ والدولة والمجتمع. إنها رواية لا تنشغل بما يظهر على السطح بقدر ما تذهب إلى ما يتحرك في الأعماق؛ إلى تلك القوى الخفية التي تدير التوازنات وتعيد رسم خرائط المصالح وتؤثر في مصائر الأفراد والمؤسسات دون أن تكون مرئية بالضرورة.
من العنوان مباشرة تنجح الرواية في بناء مفارقة دلالية لافتة. فالقارئ قد يتوقع أمام عبارة «في أحضان رجل ظل» نصًا يدور في فضاءات العاطفة والعلاقات الإنسانية، غير أن الرواية سرعان ما تكشف عن طبيعتها السياسية والفكرية العميقة. فـ«رجل الظل» هنا ليس شخصية فردية فحسب، بل رمز لمنظومة كاملة من النفوذ غير المرئي، واستعارة لحالة عربية ممتدة تبدو فيها السلطات المعلنة أقل تأثيرًا من القوى التي تتحرك خلفها.
هكذا يتحول العنوان إلى مفتاح تأويلي للرواية كلها، حيث يصبح الظل أكثر حضورًا من الضوء، وتصبح القوة الحقيقية كامنة في ما لا يُرى أكثر مما هي في ما يُرى.

من الحكاية إلى تشريح منظومة النفوذ

تكمن إحدى أهم نقاط قوة الرواية في قدرتها على تجاوز السرد التقليدي نحو تفكيك البنية العميقة التي تنتج السلطة وتعيد إنتاجها. فالأحداث لا تُقدَّم بوصفها وقائع منفصلة، بل كعناصر داخل شبكة معقدة من المصالح والعلاقات والتحالفات التي تتداخل فيها السياسة بالإدارة والاقتصاد بالمجتمع.
في هذا السياق تبرز شخصية مهدي باعتبارها القلب النابض لهذا العالم الروائي. فهو لا يظهر كرجل نافذ فحسب، بل كعقل استراتيجي يدير شبكة واسعة من النفوذ تمتد إلى مفاصل متعددة داخل الدولة والإدارة والاقتصاد.
و تمنح الكاتبة هذه الرؤية السردية بعدًا أكثر وضوحًا من خلال توصيفها لشبكة النفوذ التي ينسجها مهدي حوله، إذ تقول: «كل ما يقال حول مهدي يزيد من نفوذه ويجعل كل رجال الأعمال في البلاد لا يخطون خطوة إلا بمباركته» (ص 88). وتكشف هذه العبارة عن طبيعة المنظومة التي تحيط بالشخصية، حيث تتداخل المصالح الاقتصادية بالنفوذ السياسي والعلاقات الجهوية وشبكات الولاء.
و يزداد المعنى وضوحًا عندما تؤكد الرواية أن مهدي كان «مقتنعًا أن الهيمنة الأساسية تنطلق من الهيمنة السياسية» (ص 89). وهنا يتحول مهدي من مجرد شخصية روائية إلى تجسيد رمزي لفكرة الدولة العميقة التي تستمد قوتها من قدرتها على التحكم في مراكز القرار وصناعة التوازنات من وراء الستار.
و لا تقدم الكاتبة مهدي في صورة الشرير التقليدي، بل تبنيه كشخصية مركبة تعكس تعقيدات الواقع نفسه. فهو نتاج بيئة سياسية واجتماعية سمحت بتكوين مراكز قوة موازية للمؤسسات الرسمية، ووفرت شروطًا تجعل النفوذ الشخصي أكثر فاعلية أحيانًا من السلطة القانونية.

السلطة بين الواجهة والظل

إذا كان مهدي يمثل العقل المدبر الذي يتحرك في الخلفية، فإن حلمي يمثل الوجه الظاهر للسلطة داخل الرواية. غير أن الكاتبة لا تكتفي بتقديمه كرجل قرار أو مسؤول نافذ، بل تجعله جزءًا من بنية أكبر تتجاوز إرادته الفردية.
فحلمي يتحرك داخل منظومة معقدة من المصالح والضغوط والتوازنات. وهو وإن بدا صاحب سلطة، يظل في الوقت نفسه خاضعًا لمنطق الشبكة التي تمنحه هذه السلطة. ومن هنا تنبع أهمية الشخصية؛ إذ تكشف الرواية أن السلطة ليست علاقة خطية بين حاكم ومحكوم، بل شبكة متداخلة يصبح فيها الجميع، بدرجات متفاوتة، أسرى لقواعد اللعبة نفسها.
من خلال العلاقة المعقدة بين مهدي وحلمي تطرح الرواية سؤالًا جوهريًا: من يحكم فعلًا؟ صاحب المنصب أم صاحب النفوذ؟ ومن يملك القرار الحقيقي: من يجلس في الواجهة أم من يرسم حدود الحركة من خلف الستار؟


وسيلة والوثائق السرية: انكشاف الدولة العميقة


تكتسب شخصية وسيلة، خالة ياسمين وضابطة المخابرات، أهمية محورية داخل البناء الروائي. فهي ليست شخصية ثانوية، بل إحدى الشخصيات التي تمتلك مفاتيح معرفة ما يجري خلف الواجهات الرسمية.
فالتقارير الاستخباراتية التي تتضمن معلومات خطيرة عن مخططات مهدي للسيطرة على مفاصل الدولة تمثل نقطة تحول أساسية في مسار الأحداث. وبعد وفاة وسيلة تعثر ياسمين على هذه الوثائق، لتبدأ مرحلة جديدة من المواجهة مع شبكات النفوذ المتغلغلة داخل أجهزة الدولة.
و تقود هذه المعطيات إلى سلسلة من الاعتقالات والمحاكمات التي تطال شخصيات نافذة من عالم المال والأعمال والإعلام والقضاء والسياسة، وصولًا إلى مهدي نفسه. غير أن الرواية لا تمنح القارئ نهاية انتصارية بسيطة؛ فحين يزور حلمي مهدي في السجن، يلوّح هذا الأخير بنهاية قريبة ومدوية لخصمه. وما يلبث هذا التهديد أن يتحول إلى واقع مأساوي عندما يموت حلمي مسمومًا بعد انطلاق حملة التطهير الواسعة.
من خلال هذه النهاية تترك الكاتبة الباب مفتوحًا أمام تأويل بالغ الدلالة: فحتى عندما تتلقى الدولة العميقة ضربات موجعة، فإن قدرتها على الرد وإعادة ترتيب أوراقها قد تظل قائمة. وكأن الرواية تقول إن معركة تفكيك منظومات النفوذ المتجذرة أعقد بكثير من مجرد إزاحة بعض الأشخاص أو محاكمة بعض الرموز.

الفساد بوصفه نظامًا لإدارة الدولة

في هذا المحور تبلغ الرواية ذروتها السياسية والفكرية. فهي لا تنظر إلى الفساد بوصفه انحرافًا فرديًا أو خللًا عرضيًا، بل بوصفه بنية متكاملة وآلية من آليات إدارة المجال العام.
فالفساد في الرواية لا يقتصر على الرشوة أو استغلال النفوذ، بل يتجسد في طريقة اشتغال المؤسسات ذاتها، وفي العلاقات التي تحكم الإدارة، وفي المساحات الرمادية التي تختلط فيها المصلحة الخاصة بالمصلحة العامة.
إن ما تكشفه الرواية هو أن الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود الفساد فقط، بل في تطبيع المجتمع معه وتحويله إلى جزء من الحياة اليومية ومنطقًا مألوفًا لإدارة المصالح والعلاقات.


الحب بوصفه خلاصًا إنسانيًا في مواجهة عالم السلطة


غير أن الرواية لا تكتفي بتشريح عالم النفوذ والهيمنة، بل تمنح مساحة مهمة للبعد الوجداني والإنساني. ومن خلال العلاقة التي تجمع حلمي بياسمين تطرح رانيا الحمامي رؤية خاصة للحب تتجاوز المعنى الرومانسي التقليدي لتصبح رؤية فلسفية للعلاقة بين الرجل والمرأة.
و تتجلى جرأة الكاتبة في أنها لا تتعامل مع الحب بوصفه شعورًا مجردًا منفصلًا عن الجسد، بل تقترب من العلاقة الإنسانية بوصفها وحدة متكاملة بين الروح و الجسد. ويتجلى ذلك في قولها: «من يظن أن الحب منفصل عن الجنس، لا يعرف من حقيقة المشاعر والجسد شيئًا» (ص 138).
وتبلغ هذه الرؤية ذروتها في العبارة الأكثر دلالة: «فالحب والجنس واحد» (ص 139). وهي عبارة تختزل جانبًا مهمًا من التصور الفكري الذي يحمله النص، حيث ترفض الكاتبة الفصل بين البعدين العاطفي والجسدي، وترى أن العلاقة الإنسانية تبلغ معناها الأعمق حين تتجسد داخل إطار من الالتزام والاستقرار والاندماج الوجداني.
وتكمن جرأة الكاتبة هنا في أنها تتناول موضوع الحب والجسد بصورة مباشرة نسبيًا، لكنها لا تفعل ذلك من باب الإثارة أو المجانية السردية، بل من أجل بناء تصور فكري وأخلاقي للعلاقة بين الرجل والمرأة، يجعل الزواج الحاضنة الطبيعية التي يلتقي داخلها الحب بالمسؤولية والرغبة بالمعنى الإنساني الأعمق.
و هكذا تتحول قصة الحب في الرواية إلى عنصر فكري موازٍ للخط السياسي، وإلى مواجهة رمزية بين عالم النفوذ القائم على السيطرة وعالم المشاعر القائم على التكامل والصدق والاكتمال الإنساني.

الإنسان في مواجهة الآلة الخفية للسلطة

في هذا الإطار تكتسب شخصية ياسمين أهمية خاصة. فهي ليست مجرد شخصية نسائية مرتبطة بخيوط الأحداث، بل تمثل نقطة التقاء الخاص والعام، والعاطفي والسياسي، والفردي والجماعي.
و من خلالها تكشف الرواية أن السلطة لا تقتصر على المكاتب والقرارات والمؤسسات، بل تتسلل إلى العلاقات الإنسانية ذاتها، فتؤثر في الاختيارات الشخصية والأحلام والمصائر. وهنا يتحول سؤال الحرية من سؤال سياسي إلى سؤال وجودي يتعلق بقدرة الإنسان على الحفاظ على استقلاله الداخلي وسط عالم تحاصره فيه شبكات النفوذ والهيمنة.

خاتمة

تقدم رواية «في أحضان رجل ظل» لرانيا الحمامي عملًا أدبيًا يتجاوز حدود الرواية السياسية التقليدية نحو نص يشتبك مع الأسئلة الكبرى للدولة العربية المعاصرة. فهي لا تكتفي بوصف مظاهر الفساد أو رصد صراعات النفوذ، بل تسعى إلى تفكيك الآليات العميقة التي تسمح لهذه الظواهر بالاستمرار وإعادة إنتاج نفسها.
و من خلال شخصيات مهدي وحلمي وياسمين ووسيلة، تنجح الكاتبة في بناء عالم روائي يكشف العلاقة الملتبسة بين السلطة الظاهرة والسلطة الخفية، وبين القانون وشبكات المصالح، وبين حلم العدالة وواقع الهيمنة.
إنها رواية تضع القارئ أمام أسئلة مؤرقة حول طبيعة النفوذ وآليات السيطرة وحدود الحرية الإنسانية، وتقدم في الوقت نفسه رؤية فكرية وإنسانية تجعل من الأدب أداة لفهم الواقع وكشف ما تحجبه الظلال أكثر مما تضيئه الواجهات الرسمية.

*شاعر و كاتب صحفي متهم بقضايا الفكر و المعرفة و آخر ارهاصات المشهد الثقافي العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى