أدب وفن

قبل أن تبدأ القراءة…/ بقلم الشاعرة حنان بدران

قبل أن تبدأ القراءة…

لا تبحث عن حكايةٍ تُروى، ولا عن بطلٍ أو نهاية.
اقرأ هذا النص كما تُصغي إلى صدىٍ داخلي؛

فبعض النصوص لا تُفهم من القراءة الأولى، بل تُعاش بين السطور.

أنطولوجي الحكاية

من قمقم الكلمات تعلّمت، منذ طفولتي، أن كلَّ ما أراه الآن لا يعني الآن.

كما أن أجمل امرأة في العالم هي أتعس نساء الأرض.

قويةٌ من الخارج، تبدو هشةً كقشّةٍ رقيقة. هي هشةٌ متماسكة، تؤجل إغلاق باب الرحيل لأسبابٍ ما، كالطفلة مثلاً. أو ربما تنتظر ذات عربة، أو فرساّ شاردة، لتخرج المارد من عربات الدخان، ليحقق لها رغبتها باختصار الطريق.
ذلك المارد، أو المارق، الذي لم يحقق لها شيئاً سوى أنه وضع إصبعه على زناد مسدسه، ووجّه فوهته إلى رأسها.

ذات حلمٍ بائسٍ قديم.

ولكن، ما تفسير هذه البقع الحمراء التي تلطخ عتبة الباب، وعتبة مدرسة الأطفال؟

منذ أعوامٍ لم أشرب كأساً من ذكرياتك.

ها هو مرورك أمامي يعيدني، بإصرارٍ أحمق، إلى فم زجاجتي الحمقاء، إلى فوهة البركان الثائر. لججُ حمم اللافا تطفح على السطح، ويغيب هذا العالم في الرماد البركاني.
حتى أنت ستغيب معه، لكن مغيباّ لا يشبه مغيب الشمس.

كيف سأكتب حينها لأصف لك تلك اللحظة الجميلة، وأنت تفرغ جمجمة رأسك من كل الطنين الذي فيها، من كل ضجيج العالم؛ بشاعته، تفاهته، رجاله البائسين، ونسائه الجميلات الفارغات؟

قد يكون ذلك سبباً للبقاء، لنمرّن القلوب الحزينة على الثبات.

لكن كيف للواحد أن يكون ثابتاً في معضلة نقص الملذات والفرح؟

ذلك الواحد الذي فزع كثيراً، وارتعش من الخوف، فوصل ناقصاً من أشياء كثيرة، من أشياء لا فائدة ولا نفع لها. كان عليه أن يُكحّل عينيه، لكن طول الطريق، أحمق الخطى، أنهكه بثقل مشاريعه المؤجلة.

كيف لها أن تقنع امرأة ليست فارغة، ولا ناقصة بعقلها، بأن الجمال يحتاج إلى دمعة عابرة، وأن البكاء لا ينقص هشاشتها القوية؟

وهي تغلق هاتفها لأيام، لتجد حلاً للأيام التي أخطأت فيها، وهي تزور مقبرة العائلة. وفي طريقها تعرّج لتسأل عن شهادة ميلاد، لتطرد شكوك نفسها بأنها ليست من برج الجوزاء المفصوم.

وهي توطّن النفس على كل ما تعلمته في طفولتها: أن كل ما تراه الآن، في أقرب الأشياء إليها، هو أبعدها.

مثل نجوم الطفولة، مثل مقبرة الحي، مثلك أنت، أيها الواقف مثل نبي، بثبات عند البحر الميت. مثل تلك البلاد البعيدة في فلوريدا، البعيدة إلى درجة لا تخطر على بال. مثل اصطدام خفاشين في حلكة الظلام. مثل مراكز اللجوء التي وصلناها بعيونٍ فزعة، وصمتٍ عجز عن الكلام.

بريشة الرفض نرسم طريق جهنم إلى الجحيم.

تعلمت، منذ طفولتي، من امرأة لم تعش طفولتها، ولم يكن لها ذكريات في أزقتها. نظرت إلى المرآة لتجد نفسها جميلة.

منها تعلمت ألا أصدق شيئاً، وأن أصدق كل شيء.

الأشجار الباسقة، بعقلها، تظل واقفة؛ لا يقتلعها شيء.

والمرأة الجميلة الفارغة تظل واقفة، إلى أن يأتي أول جرذ أرض فيقضم جذورها، ويأتي جرذ آخر ليأكل ما تبقى منها.

تعلمت منها أن حياتنا ليست نحن، وأن الحياة ليست لنا. نحن نستعير الحياة من أناس لا نعرفهم.

منذ طفولتي وأنا أعيش كجندي عالقٍ في مكانٍ ما، بلا ذخيرة. جندي يهم بالعودة حينما تنتهي الحرب.

حياتنا ليست لنا.

طالما أننا سنسافر مرغمين، فقد يتم استهدافك في مكانٍ كنت سائحاً فيه، وتموت مع مجموعة من السياح في حادثة طعن.

حياتنا البعيدة ليست لنا.

لهذا تجد الحسرات تلو الحسرات على حياة الآخرين، الذين يكتبون مذكراتهم على رمل الشواطئ، ولديهم وقت لسماع الموسيقى ورقص التانغو.

تعلمت من كل النساء أن أعرفهن بنظرة:

العربية من خطواتها،
والأجنبية من لا مبالاتها،
والشرقية من ألوانها،
والعراقية من حزنها،
والفلسطينية من ثباتها،
واللبنانية من شموخها.

وأنت، كما أنت بالذات،
أعرفك من ألمي ووجعي…!!!
حنان بدران

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى