أدب وفن

باقة من قصيد الشاعر عصمت حسَّان …

عطش

هذا اختناقي
يا السّــرابُ المنعشُ
ما عاد في الشعراء شـعرٌ مدهشُ

هم في الرقادِ كأنّ حبراً قد غفا
ودمُ المصيبةِ في المدامعِ
يخدشُ

تكبو البلادُ وكم يطولُ حريقها
ومكائد تُـقصي الضياء
وتفرشُ

والفجرُ مكلومُ الصراخ
ولا يُرى
والصبح مشدودُ الوثاقِ وأغبشُ

ونوارسُ الشطآنِ غاب نشيدُها
تتأملُ النيرانَ
حزناً تجهشُ

والنهرُ أقفلَ ضفتيه على المدى
والقحط في قمح الضمير
يعششُ

تلك المنايا كم يطولُ صريرها
لا يسمعُ الأوجاعَ
حُكمٌ أطرشُ

يعلو على مجدِ العروش لصوصُها
أكلوا السّمانَ
وبالهزيلة قرقشوا

والظلمُ لا تقصيه همة جاهلٍ
يحتاجُ عقلاً
في الوجود يشرّشُ

يحتاجُ شعبا قام من إغفاءة
طالت دهوراً
بالسواعد تنقشُ

دربَ الخلاص من الفساد وأهله
للأرض يعطي الدمّ
لما تعطشُ

يحتاج قوماً ثائرينَ
إذا مشــوا للموتِ
لو صدفوا صخوراً قرقشوا

هبّي كما الإعصار
إنّا ها هنــا
شعبٌ يخيفُ الموتَ عزماً يبطشُ

بيروت حان الوقتُ
قومي واصفعي
من كانَ أحلامَ المدينة ينهشُ.

الحريق

يطفو الذليلُ
وكلُّ حـرٍّ يغرقُ
والوهمُ كم يعلو وغابَ المنطقُ

بلدٌ على حدّ انهيارٍ فادحٍ
ويصيحُ مسؤولٌ بنا:
لا تقلقوا

لا تقلقوا!…
يا لصُّ أفرغتَ البلادَ
جميعَها
من كلّ خيرٍ كان فيها يُغدقُ

يا لصُّ جرّدتَ الفقيرَ من الرغيفِ
وكم سرقتَ
وتسرقُ

لم تُبقِ شيئاً للعبادِ الصامتين
على الأذى
وبكلّ كذبٍ تنطقُ

مزّقتَ إرثَ الصالحينَ وأرضهمْ
ورصيدَ ما خافوا عليهِ
وأنفقوا

وتركتهمْ للريحِ دونَ مؤونةٍ
في بحرِ مَظلمةٍ
وتاه الزورقُ

يا أنتَ
يا سمّ الحياةِ وعهرها
يا كلّ من سلبوا الضيا
وتزندقوا

يا نسلَ شيطانٍ رجيمٍ ظالمٍ
لا يرتوي
من كلّ ظلمٍ أعتقُ

لم يبقَ في هذي البلادِ
سوا الهواءِ
فخذه إنّا نُخنقُ

لا ماء
لا أمنٌ خسرنا عمرنا
نحبو إليكَ
ولستَ يوماً تُشــفقُ

فكأن هذي الأرض محضُ رهينةٍ
ميراثكَ الأبدي
كم يتدفقُ

وكأنّ تحملُ للجميع عداوةً
وتظنُّ أنك في الجميع
الأصدقُ

يا لصُّ
يا دجالُ أي حكومةٍ تأتي
فأحلامُ البلادِ
ستُحرقُ

سمسارُ هذا الموتِ
أنتَ هلاكنا
من ألفِ عامٍ تستبيحُ وتُرهقُ

ما أنتَ شخصٌ كي نقوم لقتلهِ
ما أنتَ فردٌ واحدٌ
أو بيدقُ

أنت النظامُ العنصريُّ جعلتنا
مزقاً
متى يا وغدُ قد تتمزقُ

أنت النظامُ الطائفي وكلنا
سرنا معاكَ
وكلنا نتفرقُ

نحتاج لبناناً بشعبٍ واحدٍ
لا ألف شعبٍ في المتاهةِ
أحمقُ

نحتاجُ عدلاً لا يسوسُ لواءهُ
غولُ المذاهبِ
والفسادُ الأخرقُ

نحتاجُ أرضاً يلتقي بسمائها
قلبَ المحبين الغيارى
بيرقُ

نحتاجُ بيتاً للجميع يضمُّنا
فيه الولاءُ
ولا يعود الخندقُ

نحتاج كفَّاً للعناق تشــدنا
لا كفّ تصفعُ بالأذى
لو نعشقُ

نحتاجُ حكّاماً إذا وقعَ البــلاءُ
ترأفوا
وتحلقوا

لكنّ حكّامَ البلاد جميعَهم
هم للبلادِ الأخطبوطُ
المرهقُ

والناس جاعتْ
والطريق يتيمةٌ
والشمسُ دونَ عزيمةٍ
لا تشرقُ

لا خير يأتي من نظامٍ فاسدٍ
قد صار من صحنِ الأراملِ
يلعقُ

والمأزقُ الفعلي في أهوالنا
أنا نقول عن الجرائمِ
مأزقُ

قوموا احرقوا الأوثانَ
هدّوا عرشها الباغي
ولا تتفرقوا

حريق البلاد

أيا سيدي اللهُ
ماذا ترى
وهل بعد هذا الأسى مســخره؟

أتبصرُ حقاً حريقَ البلاد
نشيجَ العبادِ
وكيف النفوسُ غدت في مواتٍ
وكيف الجثامينُ فوق الثرى

أتسمعُ قهرَ أنينِ الفقيرِ
وكان يصلّيكَ خمساُ
وعشراً
يطجُّ ويركعُ مذْ كان طفلاً
وكان يظلُّ صغير المقامِ
لكي أنتَ فوق الدنى تكبرا

أهذي المساجدُ
هذي الكنائسُ
هذا الثراءُ وتلك الثرياتُ
ترضي بهاكَ
ويرضيكَ يظمأُ قلبُ الفقير
وأنتَ تعبُّ المدى كوثرا

أيا سيدي الله ماذا ترى
ألستَ المسيِّرَ كلِّ الأنامِ
إلى كلّ قحطٍ سقيم الدروبِ
وكنتَ ترودُ الدنى أخضرا

ألستَ من الطينِ صغتَ الأماني
وحوّلتَ روحَ المنى جوهرا

فكيف لخالق هذي المعاني
يرانا نعاني
نجوع ونعرى
وكلّ لئيمٍ تحكمَّ فينا
وباعَ البلاد ويا ما اشترى

إذا كنت تعني بأنّـا مشــاعٌ
وأن الحياةَ غدتْ متجرا

فكنْ عادلَ الحكم بين الجميعِ
لننسى بعدلكَ ماذا جرى

وندركَ أنّ الرغيف كتابٌ
وأنّ الترابَ سليلُ الذرى

ونمشي خطانا أثير الأعالي
ونؤمن أنّ الضيا قد سرى

ايا سيدي الله
قلبي حروفٌ
وكفّاكَ ســطرُ الشذى والقوافي
فقم كي نعيدَ بناءَ القرى

وجُدْ بالمواسمِ جمر اشتغالٍ
تعبنا
وطال الضنى والكرى.

الشاعر عصمت حسان رئيس منتدى شواطئ الأدب بشامون الضيعه



مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى