أدب وفن

“سر البحر ” مهداة لأرواح الشهداءالذين احتضنهم بحر بيروت. ” القيامة” لشهداء كفتون و أحيائها / بقلم الشاعر عصمت حسّان

سر البحر
إلى الشهداء الذين احتضنهم بحر بيروت

ما ســرّه البـحر
يُبكــي موجُه السُّفنا
ودمُ الشــهيدِ عبابَ الحزنِ
قد سـكنـا

تكسّرَ الملحُ ،
عيـنُ الموجِ دامعـــــة
ترثي الجراحاتِ والإنسانَ والوطنـا

قد كان شـاهدَ أيامٍ بلا عــــددٍ
مـذَ اليدين
أشـادَ الشـطَّ والمدنـــا

تلقفَ الحرفَ مذْ فينيقيا
اتســعتْ
وأسرجتْ خيلها التاريخَ والمزنــا

وحوّلَ الشـاطىءَ الخلاب بوصلةً
فكـانَ للريح حقلاً
للشــذى ســكنا

ورصَّعَ السفحَ أرزاتٍ
غدتْ نُجُـمَاً
مثل المنارات تعطي في الظلامِ سَــنا

كم كانكِ البحرُ يا بيروتُ أغنيةً
وكمْ تعلّقَ مشـتاقاً
فصار غِنــــا

أيامَ يطرقُ أبوابي على مهــلٍ
فأفتحُ القلبَ شـطّاً
والعيــونَ هَـــنا

ونحتسي القهوةَ السمرا
يحدثني
عن المواويل كانت تنثني شــــجنا

ويسكبُ البوحَ حورياتِ من ألقٍ
على سـطوري
ويروي كلّ ما اختزنــا

ما سرّه البحرُ يعدو مثلما شـــبحٍ
يهزّه الخــوفُ
مُذْ صارَ الهوا كفنـــا

قد صار يشـهدُ أن الغولَ في وطني
ما عاد ســـرّاً
وصار القتلَ والعلنـــا

قد كان يشهدُ كيف الناسُ قد حُرقتْ
وجفّفَ الغدرُ نهرَ الحبر
والزمنـــا

وكيف ضاقتْ على أبنائنا تُرَبٌ
فمدّ كفيــهِ
كي يعطي القبورَ لنــــا

ما سرّه البحرُ
هذا البحرُ صورتُنــــا
نارٌ
وماءٌ
وجذرٌ ضيّع الفننــا

دخلتُ في البحر كي أحصي مدى وجعٍ
طالَ المصابيحَ

كيفَ النسمةَ احتضنا

فلم أجدْ غير أوراقي على زبدٍ
وصحتُ في الناسِ
من في البحر كان أنا.


القيامة
إلى كفتون وشهدائها الأحياء

ماذا أخبرُ عن كفتونَ
يا بلدي
وكلُّ أمّ تصيح اليوم يا ولـدي

كفتون كانتْ على الأبناء
حانيـةً
تعطي المثالَ لما يبغيه متّحـدي

فيها التلاويح نحو الأفقِ
صاعدةٌ
ووقفة العــزَ قانونٌ إلى الأبــــدِ
فيها رفاقُ فداءٍ
ليس تخذلهم
شمسٌ
وصاحتْ
بهمْ كفُّ العطاءِ يدي

لم يقبلِ السـادة الأوغادُ
عزّتها
فأسلموها إلى تغريبة النكــدِ

توشحوا العتمَ
كي تخفى جريمتهمْ
وكفّنـوا صفوة الأمواجِ بالزبدِ

مرّوا مع المـوتِ
كانَ الغدر صاحبهم
وأطلقوا الحقدَ في تلويحة الجســدِ

لكنهمْ صعدوا
أحرار أمتنا
لا يُسقطِ النورَ من شـبّوا على العقــدِ

لا يقصمُ المجدَ أفّـاقينَ صنعتهمْ
إرهابُ شـعبٍ
بعشقِ الأرضِ متقدِ

شعبٌ توحّدَ صلباناً
ومئذنةً
يتلو الفواتحَ في ترتيلة الأحدِ

كفتون قامتْ على وعدٍ
غدا أملاً
والصالحون بها ضوءٌ بلا عددِ

كانوا صياماً عن البغضاء
فكرهمُ
كان انتماءً لكل الناس في البلدِ

هم شامخونَ كأرزِ الربّ
جبهتم
أعلى مقاماً من الإذلالِ والزرد

هم يحرسون بهاء الأرضِ
قاطبةً
لا ينحنونَ لسمسارٍ ومنفردِ

أهلُ المحبة، كلّ الناس إخوتهمْ
بيتُ الجميعِ
عرينُ العزمِ والأُسُــدِ

والغدر يلبسُ ثوبَ الليلِ
باغتهمْ
لم يقربوا الموتَ
هم عاشوا إلى الأبدِ

هم ينظرون إلى أسياد قاتلهمْ
لا يغفرون
كبارُ الثأرِ والعُضُدِ

يتأملون قيام الناسِ من وجعٍ
من لحظة الموتِ
حتى آخر التلدِ

كفتونُ كوني لنا صحواً لنبصرهمْ
عيون أهلي انطفتْ
من شـدة الرمدِ


المذبح

لبنـانُ في نهر الكرامة يسبحُ
وعلى الضفاف
كلابُ غدرٍ تنبحُ

ما همّ تجري في الدروب
دماؤهُ
أنقى الأماكنِ في القياس المذبحُ

هو آخر الرهبانِ
وسطَ قبيلةٍ
كم يظلمون ، وكم بحبّ يصفحُ

يتأنقون إلى وليمةِ قتلــهِ
ويسودُ رأسَ القاتلين الأقبحُ

يعطي الظماءَ الماء دون ضغينةٍ
يسقي بكفّ في الظمى
تتقرحُ

قد كان قبل العتم سورة يونسٍ
والحوتَ كانوا
في الفجيعة يمرحُ

لبنانُ قبلَ الفجر
شمسُ دروبهمْ
وهمُ الظلامُ المستبدُّ الأفدحُ

كان الملاكَ وهمْ فلولُ جهنمٍ
لا يستقيمُ مع الظلامِ الأصبحُ

يمشي على كتف الجبالِ مباركاً
غيم السماءِ
كنبعةٍ تتفتحُ

وهمُ الخرابُ المستبدُ وأهلهُ
شتّانَ يقبلُ بالخرابِ الأصلحُ

لمّا رأوهُ المجدُ صنعة أهلهِ
ورؤاهُ بين الغافلين الأوضحُ

قصّوا جناحَ الخير في عليائه
لكن مشى كالوعي
لا يترنحُ

لبنان قافلة الضميرِ مرَجِحٌ للعدلِ
لكنّ الطغاة تبجّحوا

و عدتْ كلابُ الظالمين
عصابةً
بين النهى والشكّ كم تتأرجحُ

ومشوا إليهِ الغشُ في غاياتهمْ
ذبحوهُ
لكنْ لا يموتُ
ويصدحُ

همْ عصبةُ الأشرارِ
خطّوا نصهمْ في الإفكِ
فاحترق المدى
والمسرحُ

ماهمّ لبنان الجريحُ نعيقهمْ
هو عائدٌ
ويقومُ لما يذبحُ

التابوت

تَباً لصدقي وأخلاقي
وآياتي
ما عاد في زمني تجدي قناعاتي

تبّاً لشــعري
فهذا الشــعرُ يقتلني خوفاً على الناس
والأوطانِ والآتي

ويأكل الشعر من عمري طفولتنا
حين القصيدةُ خبزٌ للمعاناةِ

حين المحابر جرحٌ نزفهُ كلِمٌ
والناسُ تجهلُ ما تعنيــهِ كِلْــماتي

أراودُ الطيرَ عن جنحينِ من فننٍ
كي أحملَ الناسَ طيراً
للفضاءاتِ

وأغرسُ القمحة الشقـراءَ في كتبي
أُذيبُ قلبي
وأعطي الحبــر من ذاتـي

وأغسلُ النهرَ في دمعي تباركهُ
آلامُ شعبي
وأعطي القحطَ جـنّـاتي

وكمْ حملتُ إلى العصفورِ قافيتي
ما كان يعلو
سوى في عمقِ غصّــاتي

وكم أخذتُ شراع الموجِ من شغفٍ
بالريحِ
لكنْ أضاع البحرُ مرساتي

كالسندبادِ أنا دوّنتُ خارطتي
في لعبة التيهِ
في بئرِ الكآباتِ

صادقتُ يوسفَ حتى الذئبُ قطّعنـي
ألفاً من الحلمِ في بال البكاءاتِ

رافقتُ يونس حتى الحوتُ حدّثني
عن جرحِ بيروتَ
عن فيضِ المراراتِ

ولحظة الصلبِ نزَّ الزيتُ من شفتي
وخانني اللصُ واسـتمرى
معاداتي

حاولتُ أمشي كما القديس في بلدي
فأغرقوني على شطّ الوشاياتِ

وأحرقوا القمحَ
جثماني غدا مطراَ
كي يطفىء النارَ
في أرض الملذّاتِ

تبّاً لصدقي
أنا لملمتُ أمتعتي
ورحتُ للصمتِ
كان القصدُ إسـكاتي

وكانَ شـعري بريدَ الحقّ في وطنٍ
أظنُّ أصبحَ تابوتاً
لأمـــواتِ


الشاعر عصمت حسان رئيس منتدى شواطئ الأدب بشامون الضيعه



مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى