منتديات

مَنْ للفقراء في لبنان ؟؟و متى يصحو ضمير الحكّام فيه لنصرة قضيّتهم وإنقاذهم؟!!

مَنْ للفقراء في لبنان ؟؟و متى يصحو ضمير الحكّام فيه لنصرة قضيّتهم وإنقاذهم؟!!

1-مقدّمة : كنت في بداية الأمر أودّ أن أكتب مقالة طبّيّة تحكي عن دراسات جديدة لفتت انتباهي منذ فترة، حيث ظهرت معطيات كثيرة تجزم بأنّ الحبّ والتّسامح وتقبّل الآخر تمثّل كلّها عوامل إيجابيّة في حياة بني البشر، وأنّها قد تكون ترياق التّوتّر والقلق، وعلاجاً يُخفّف من نسبة أمراض القلب والشّرايين، ومن خطورة أعراض هذه امراض، لا بل قد تؤدّي إلى الوقاية منها أيضًا.
ووجدت أنّ مقالة كهذه قد تكون مفيدة في هذه الأجواء المشحونة والمتشنّجة الّتي تعيشها شعوبنا العربيّة والإسلاميّة، وخاصّة في البلدان الّتي تعاني من اضطرابات سياسيّة أو اقتصاديّة أو اجتماعيّة أو معيشية.
ولبنان اّلذي دخل في دوامة التّدهور منذ حوالى السّنة أو أكثر، ليس ببعيد عن مثل هذه الأزمات، فهو في قعر الهاوية منذ فترة طويلة، وهناك مشاكل عميقة جدًّا، لا أفق قريبًا لحلحلتها على كلّ المستويات السّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والمعيشيّة وحتّى الأمنيّة. وهناك حروب مُستعرة تنشط فيها كل قوى التطرّف والحقد والشرذمة وتدور رحاها على معظم وسائل الإعلام العادية الكلاسيكية وبشكلٍ اكثر وضوحاً على كل شبكات التواصل الإجتماعي. فمع ارتفاع أسعار كل الحاجيّات والسّلع والخدمات، وانتشار البطالة والفقر وحالات العوز والقلّة، وتهافت الّلبنانيين على الهجرة وكثُرت حالات الأمراض العصبيّة والإنتحار وغيرها، وفي ظلّ الأزمات المتلاحقة الّتي تلاحق الّلبنانيين يومًا بعد يوم، يمكن القول إنّ الّلبنانيين قد وصلوا منذ فترة طويلة إلى حالة من القلق الدّائم على المصير، خاصّة في هذه الأيّام الأخيرة الّتي شهدت تواتر الأحاديث عن إمكانيّات رفع الدّعم عن المحروقات والدّواء والخبز، وما قد يترتّب على ذلك من كوارث اجتماعيّة وخاصّة في ظلّ القرارت الأخيرة في اليومن السّابقين عن رفع المستشفيات لسعر صرف الدّولار إلى ٣٩٥٠ ليرة لبنانية بدلًا من ١٥١٥ ليرة الّتي كانت مُعتمدة من قبل، وما قد يُسبّبه ذلك من تردٍّ في الأوضاع الصّحيّة للمرضى، وخاصة عند المعوزين والفقراء منهم، ما قد يمنعهم قطعًا من الحصول على الخدمات الطّبّيّة الّتي ستصبح صعبة المنال في هكذا أوضاع.
وقد أتى ذلك أيضًا في ظلّ الحديث عن تطوّر مُماثل شديد الخطورة أيضًا، سوف تتّخذه- او اتّخذته أصلًا – الجامعات الخاصّة، ممّا سيُهدّد آلاف الطّلاب الّذين سيكونون في وضع لن يُحسدوا عليه، نتيجة عدم تمكّن أهاليهم من دفع الأقساط المطلوبة، في ظل انعدام قدرتهم على ذلك، بسبب الأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة المتدهورة جدًّا، وانخفاض القدرة الشّرائيّة لديهم، لأنّ معاشاتهم الشّهريّة بقيت كما هي، أو قد تكون تقلّصت منذ بداية الأزمة.
ولذلك وجدت أنّه لا بدّ لنا من أن نبحث عن بعض زوايا الأمل والرّجاء، وأن نفتّش عن بعض شعاعات التّفاؤل الّتي قد تعيد إلى المواطن الّلبناني بعض البسمة والسّرور في هذا الجوّ المسموم الموبوء – وعلى كلّ الأصعدة – ولو كان ذلك لفترة متقطّعة، لأنّنا نعرف أنّ عمق الأزمة وخطورتها لن يزولا بين ليلة وضحاها. ومن هنا كنت أحببت أن اكتب لكم عن دور مشاعر الحبّ والتّسامح وقبول الآخر، وتأثيراتها الإيجابيّة على أمراض القلب والشّرايين والوقاية منها بحيث انني اخترت أن ننسى ولو مؤقّتًا، ولبعض الوقت، الكلام في السّياسة والاقتصاد وتدهور الأوضاع المعيشّية، وأن نتكلّم عن: الحبّ ودوره في علاج القلق والتّوتّر والاكتئاب، وفي تخفيف أعراض أمراض القلب والشّرايين والوقاية منها. ولكنّني وفي معرض تصفّحي صدفةً لصفحات وسائل التّواصل الاجتماعيّ وجدت هذه الصّورة المعبّرة جدًّا، والّتي سرقت انتباهي خلسة، وجعلتني أغيّر وجهة الموضوع لأتكلّم عن هذا الشّابّ الفقير الّذي يحضن بدفءٍ قلّ نظيره طفلًا صغيراً آخر ، لا أعتقد أنّه تجاوز الّسنة الثّانية من عمره، وهو يُطعمه من طعام أعتقد جازمًا أيضًا أنّه حصل عليه على قارعة الطّريق، ولكنّ مشاعر العطف والتّكافل والحبّ الّتي تنقلها لنا بكلّ شفافيّة تعابير النّظرات، استفزّت مشاعري، وحرّكت في داخلي الغضب على بلاءات مجتمعاتنا وبؤسها وشقائها، ولذلك أصبحت المقالة ذات وجهة أخرى لتحاكي جشع وحقارة حكّام بلادنا، الّذين تركوا شعوبهم تتخبّط في هذا الدّرك الأسفل من المآسي.

2: مشاعر العطف والحبّ والّتكافل ودورها الإيجابيّ في حياتنا:
في البداية هل تعلمون مثلاً أنّ أحاسيس ومشاعر الحبّ، تُخفّف كثيرًا من أعراض أمراض القلب والشّرايين، ومن الأزمات القلبيّة، وقد استفدت كثيرًا في هذا البحث من مقالة نُشرت مؤخّرًا من قِبل طبيب تركيّ، ساعدتني كثيرًا في بلورة الأفكار الواردة في هذا البحث السّريع،
فمنذ فترة قصيرة – شباط ٢٠١٩ – وعشيّة “عيد الحبّ” قال طبيب تركيّ مُتخصّص بأمراض القلب والأوعية الدّمويّة، يدعى أحمد أحمد قره بولوت، إنّ الأبحاث العلميّة أثبتت أنّ الحبّ يؤثّر إيجابيًّا على عضلة القلب وحالته الصّحّيّة، مُبيّنًا أنّه قد يقي من الأزمات القلبيّة على المدى البعيد، بفضل تأثير الأحاسيس المُصاحبة للحبّ والشّعور بالحماسة والطّمأنينة، لوجود الصّديق والرّفيق والسّند والعشيق الّذي نشكو له كلّ هموم الحياة وويلاتها ومطبّاتها الخطيرة.
واعتبر قره بولوت فيها ومن خلال ابحاث اخرى مُماثلة أنّ الحبّ ترياقٌ للتّوتّر، حيث يقلّل من إفراز هرمون التّوتّر “الكورتيزول”، ويُحسّن من مستويات السّكّر والكولّيسترول، ويحمي الشّرايين، مُضيفًا أنّ الأزواج الّذين يعيشون علاقة زوجيّة سعيدة ومستقرّة، ينعمون بنوم هادئ، ما يقلّل من خطر إصابتهم بالأزمات القلبيّة، خاصّة وأنّنا نعلم جميعًا أنّ النّوم الصّحّيّ والمتواصل دون تقطّع لمدة تتراوح بين سبع إلى تسع ساعات يحمي بشكل كبير من أمراض القلب والشّرايين، بحسب عدّة دراسات علميّة صدرت سابقًا.
وأشار ايضاً إلى أنّ مشاعر الحبّ تخفّض ضغط الدّم، إذ أظهرت الأبحاث العلميّة أنّ الأحضان الدّافئة ( دون تذمّر وشكوى وشجار وسجالات)، وأحاديث الحبّ تُخفّض ضغط الدم؛ موضحًا أنّ السّبب في ذلك يعود إلى أنّ مشاعر الحبّ ترفع من مستوى هرمون الاسترخاء (الأوكسيتوسين) الّذي بالإضافة لتحسينه ضغط الدّم، يقوّي من الجهاز المناعيّ، ويُقلّل من الالتهابات في الشّرايين.
وتعمل مشاعر الحبّ كذلك على الوقاية من الاكتئاب كما أشار قره بولوت، حيث تُحفّز الدّماغ لإفراز هرمونات الدّوبامين، والأندورفين، والسّيروتونين الّتي تزيد من الشّعور بالسّعادة هرمونات السّعادة)؛ وأضاف أنّ الأبحاث العلميّة خلصت إلى أنّ متوسّط أعمار النّساء الّلاتي يعشن بمفردهن يقلّ بمقدار عامين عن قريناتهنّ المتزوّجات، والرّجال بمقدار من ستّة إلى سبعة أعوام، مقارنة بمن يعيشون مع زوجاتهم.

3: الفقراء هم أهل العطاء الحقيقيّون:
وفي العودة إلى موضوعنا الأساسي وبعد التآمل الطويل في هذه الصورة المُرفقة ،يظهر لي جلياً واعتقد بأنّ تجربتكم في الحياة ستؤكّد مقولتي بأنّ الفقراء هم أهل العطاء الحقيقيّين في لبنان وفي معظم بلادنا العربية او البلاد الأخرى الفقيرة ؟!
نعم وألف نعم، لأنّهم أدرى النّاس وأعلمهم بمرارة الحاجة والقلّة والفقد والحرمان..
فهم من عاشوا وعانوا وظُلموا ونُهبت حقوقهم وخيراتهم..
وهم من سرقهم الزّعماء والأغنياء والقادة، وفرّطوا بحقوقهم بالعيش الكريم، وبأدنى مقوّمات الحياة..
لكنهم لم يستطيعوا أن يدخلوا إلى قلوبهم وعقولهم، ولم يقدروا على أن يطوّعوها وينزعوا منها قيم المحبّة والسّخاء والتّسامح والشّعور بالآخر، وبالإنسان الإنسان..
لأنّ كلّ تلك القيم مجبولة في أعماق أعماق قلوبهم، ولن تستطيع جميع قوى الشّر أن تنزعها من هذه الأعماق، مهما طال الزّمان، ومهما كانت قساوة الحياة وظروفها، وسوف تنتصر حتمًا هذه الأجيال المُعذّبة وستقلب الطّاولة على كلّ من اعتدى وتجرّأ عليها، أو سلبها حقوقها تحت أسماء مختلفة بين زعيم وزعيم: فمرّة تحت اسم حقوق المسيحيّين، خاصّة الموارنة منهم واسترجاع أمجادهم وتفوّقهم بالعلم والثّقافة والامتيازات، لأنّ مجد لبنان أعطي لهم!!
ومرّة تحت عنوان “بني معروف” الأقلّيّة الجبليّة الشّوفيّة الّتي تبحث دائمًا عمّن يحميها، وقد تعب البيك والمير والوهّاب بالمطالبة بإنصافهم، وبأن يكونوا على رأس مجلس الشّيوخ الطّائفيّ المأمول تأسيسه على أوراق الطّائف المنسيّة، ومرّة باسم المحرومين وباسم سماحة السّيّد المغيّب السّيد موسى الصّدر، الّذي لو شاهد اليوم أوضاع المحرومين والجنوبيين، لكان أوّل من حمل سيفه في وجه الجائرين والنّاهبين والمستغلّين لقضيّته الإنسانيّة والوطنيّة والعربيّة والقوميّة المقدّسة، ولوقف ضدّ الطّغاة من طائفته وغيرها من الطوائف ، لأنّ نضال المحرومين الّذي أراده لم يكن له هذا الطّريق، ولا هذا الطّعم، ولا تلك الخيارات.
دون أن ننسى طبعًا المطالبين دومًا بحقوق الرّوم والكاثوليك والأرمن والعلويين والثّمانية عشر سبطًا والأقباط والكلدان والآشوريّين.

4-أين الحكّام من رعاياهم؟ :
أمّا الحكّام، في لبنان فنراهم، رغم افتضاح أمرهم، متشبّثين كلّ التّشبّث بمسروقاتهم، ومناصبهم الّتي إن فقدوها فقد يفقدون القوّة الّتي تمكّنهم من الإمساك بمفاتيح خزائنهم، وربّما إن فقدوا هذه المناصب فقد يكونون في مهبّ المُسآءلة، وفي مهبّ رفع الحصانة وفي مهبّ المحاكمات العادلة لإعادة الأموال المنهوبة والمُهرّبة إلى ذويها. فهم لا ينظرون ابداً الى هكذا مشاهد التي اصبحت شبه عادية في معظم المدن والقرى والبلدات اللبنانية، حيث اصبحنا نرى بعض الكهول والمشرّدين ينامون في الشارع وفي العراء وتحت اشعة الشمس او المطر، ويبحثون عن لقمة العيش في بعض المكبّات وفي بعض اكياس النفايات…
ولذا نرى حُكّام وزعماء -بل لنقل عصابات ومافيات هذا الوطن- وهي التسمية الواقعية والحقيقية يعيشون حالة المستميتين لأجل البقاء، وكأنّهم في ميدان القاتل أو المقتول، ولذا لن يكون بإمكان الضّحايا أن يصلوا إلى حقوقهم طالما قبلوا بأن يقوموا بدور القتلى، وتركوا لهذه الفئة من النّاهبين أن تدوس على وجودهم… فهل نعي حجم مأساتنا ونفهم ما هو المطلوب منّا لنخلّص لبنان ومن بقي فيه؟!


د طلال حمود- ملتقى حوار وعطاء بلا حدود

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى