من رواية “الملعون المقدّس” للروائي محمد إقبال حرب

من رواية “الملعون المقدّس” القادمة من البعد الآخر:
صور بطيئة تخرج من الأرض، من عمق الماضي بألوان حاضرها وكأنها تحدث الآن. إنه يوم البعث، بعث الذكريات من برزخها. ذكريات تنسلّ من كل حدب وصوب ممزّقة جدران النسيان، محطَّمة ظلمة الوجدان، على بساط الحقيقة.
هل أصبح الزمان لحظة واحدة فاجتمع الماضي والمضارع لينسفا قواعد الوجود واللغة على حدّ سواء؟
كل الموبقات تتسارع في سباق اقتناص كينونة عرقول، تجزُّ كل عضو من أعضائه الممهورة برذيلة اقترفها، تدق أوتادًا من نار في رأس ما كان يومًا بشريًا. المطلوب الوحيد هو من قامت قيامته، وقيامة اليوم هي قيامة عرقول. قيامة مميّزة بطقوس خاصَّة. القربان والإله واحد.
محاولة الهرب لا تجدي فالطريق مسدود والبصر خاسئ كما تشكو البصيرة من الضمور الأزلي. دموع تبتلعها حشرجات الخوف وارتدادات الانتقام حتى شعر عرقول وكأن جسده قد بُسط على صحراء جهنّم فيما تستعر الضُبَّان بجلدها القاسي على نار فجيعته التي تستعر في غرفة نتنة حلاوتها شجرة زقُّوم.
أين هو الموت؟ أين عزرائيل؟ بل أين الله؟
انقذوني، بالموت بالقتل بالفناء. أرجوكم
نداء الاستغاثة لا يجدي، تعطلت موجات الاتصالات مع الرفيق الأعلى، اتصالات وهمية اخترعها بني البشر ليسكتوا جماح خوفهم. ذاك الخوف صانع الآلهة. تكوّر على نفسه، شدّ أوصاله كي يعود إلى رحم حمله على مضض ذات يوم ما كان في حسبان البشر. ليته يعود نطفة أولى تجهضها حامل في عشوائية اللقطاء.
لم يتغير شيء سوى زيادة التصدُّع في جدران وجوده، ارتدادات الزلزال تحطِّم أسوار الماضي وتقف سدًّا أمام المستقبل. بل أي مستقبل ينتظره في ظلمة عفنة، تخترقها سهام الرجل المجهول لتصبّ في بقايا انسانيته فزلزلت بشريته الساكنة في جسد متهالك. لكن عرقول المصرّ على البقاء من أعماق عرقول المنهزم ينتفض فجأة في ظلمة الليل، يخرج من رحم الفناء غير مكترث بكينونته، غير آبه بكل القيم التي سردتها أساطير الأديان السماوية والوثنية على حدّ سواء. ما عادت قدسية القيم وحرمتها تخيفه. نظر إلى حيث يظنه أعلى وصرخ: لماذا لم تنقذني يا الله؟ هل جدول عزرائيل عامر بزبائن جهنم فلا مكان لي؟ خذني إليك حاسبني، ألست أنت من يحاسب كما قال شيخ بلدتنا يوم كنت طفلًا وردّدها مشايخ الأرض تباعًا كأنما يسرقون مقولة شيخنا الحاج عباس؟ ألست أنت من يحاسب كما تعلّمنا من القرآن والانجيل والناس؟ إذن لماذا تدع هذا المجهول يحاسبني؟ من هو ليحاسبني؟ بل أين أنت لتدع هذا المجهول يأخذ دورك ودور الشيطان؟ يأخذ دورك في تعذيبي ودور الشيطان في هتك أسراري.




