مقتطف من رواية: «الأقحوان ينبت في الشياح»

مقتطف من رواية: «الأقحوان ينبت في الشياح»
” في قضايا بالمسرح عادةً ما بتموت، غلاء المعيشة، المطالبة بزيادة الأجور، الطبقات الغنية والفقيرة، الأحزاب، اليمين واليسار… هل قاعدة ومنطلق لأي عمل مسرحي سياسي لأن هول دوماً الصراع بدور حولهم “.
(حسن علاء الدين – شوشو – خلال مقابلة تلفزيونية)
في مطلع الستينات، غزت شخصية جديدة عالم المسرح، شوشو، الممثل حسن علاء الدين المعروف بإطلالته الفريدة، شاربه الكثيف، وشعره الأجعد، وعباراته المبتكرة التي سرعان ما انتقلت إلى الأوساط الشعبية وغدت مصطلحات يكثر استعمالها في الأحاديث بين الأطفال.
حسم شوشو قراره وأنشأ المسرح الوطني، مسرح يُعنى بالأمور الإجتماعية والسياسية ويعرض يومياً مشاهد مبنية على قضايا الفقراء والمحكومين.
- شوشو اليوم؟
- أجل، الساعة الثامنة مساءً، مسرحية شوشو بك في صوفر.
يتجمَّع أطفال الحي ويبدأ المسير من الشياح مروراً بالمشرفية وصولاً إلى الغبيري لإستقلال البوسطة خط الغبيري – البرج، والوجهة: بشارة الخوري، سينما شهرزاد المعروفة بـ «مسرح شوشو».
لكلّ طفل في جيبه بضعة قروش، للذهاب والعودة ولشراء بطاقة المسرح. كان جمال أكثر الأطفال حماسةً لهذا النوع من المسرح وكانت سنواته ال١٢ تكفيه لفهم النكات السياسية.
وصلت المجموعة إلى القاعة قبل ساعة من العرض للسطو على المقاعد المريحة.
بدأ العرض، وما إن ظهر إصبع شوشو من خلف الستارة، حتى انفجر الجمهور ضحكاً. هكذا، بهذه البساطة.
وفور انتهاء العرض، تسارع الأطفال نحو الباص للوصول إلى بيوتهم. نصّت قواعد العائلات التقليدية على وجوب عودة الجميع إلى المنزل قبل غروب الشمس. الإستثناء الوحيد كان لشوشو، وسيلة الترفيه -والتوعية- الأبرز في تلك الفترة. وهكذا كان الروتين على مدى عقدٍ شَهِد قرابة ٢٤ عملاً جديداً. كبُر الأطفال، ونضجت المسرحيات إلى أن بلغت ذروتها في مسرحية «آخ يا بلدنا» وكانت فشّة الخلق الناطقة بلسان حال الشعب.
- بابا، ستأتي معنا اليوم، شوشو يعرض مسرحية جديدة.
- شو اسمها؟
- آخ يا بلدنا.
كانت الأوضاع المعيشية رديئة والفساد آخذاً بالتفشي. طبعاً لم يرفض أبو جمال طلب إبنه، لا ضرر في بعض الضحك بعد يومٍ طويلٍ من الكدّ. جلس الجميع وبدأ العرض، كانت المسرحية لاذعة جداً، أما أغنيتها فهي أفضل ما يعبّر عن حال الفقراء وكانت لكلماتها علاقة مباشرة بحركة الشارع ونبض الشارع ووجع الناس.
إنتهى العرض فترأّس جمال مسيرة مصغرة على طريق العودة وراح يغنّي بأعلى صوت:
- شحّادين يا بلدنا
- قالوا عنّا شحّادين! يردّ كورس الحي بعفوية.
- نشّالين يا بلدنا
- قالوا عنّا نشّالين
- نحن مين يا بلدنا
- نحن شوية مساكين
- مظلومين يا بلدنا
- إيه وحياتك مظلومين…
الخوف من تأثير شوشو وفنّه في الجمهور، دفع السلطات إلى مكافحته، ومصادرة أغانيه التي لا تزال حية يرددها الناس حتى هذا اليوم. واستُجوِب شوشو بسبب أغنية «شحّادين يا بلدنا» وأمر القاضي بمصادرة أسطوانات الأغنية، لكنه سمح بعرضها على المسرح. وفي المسرحية التالية «خيمة كراكوز» صودرت الأغنية ومُنِع عرضها على الخشبة.
وبقيت مسرحياته على هذه الحالة، تهديدات تارة، واعتقال تارةً أُخرى وتحقيقات يقوم بها المكتب الثاني إلى أن أطلّ العام ١٩٧٥ وصبّ جام غضبه على المسرح الوطني فصار ركاماً، أما شوشو فتمكّن منه الإرهاق في العام نفسه وقضى على أثر سكتةٍ قلبية بعد مكوثه أياماً في المستشفى.
” إذا ما رحلت عن هذه الدنيا الفانية، إصنعوا تابوتي من خشبة المسرح وكفّنوني بالستارة “.
(وصيّة شوشو، كتبها وهو على سرير المستشفى قبل أيام من وفاته)
إعداد الشاعرة كلود ناصيف حرب




