مِنْ طُفُولَةِ الشَّاعِرِيَّةِ … إِلَى نُـضْـجٍ لَها

حكاية الشَّاعر السيِّد عبد المَهْديّ فَضْلُ الله مع الشِّعر والشَّاعريَّة
1938-2021
(تحيَّة إلى الشاعر الكبير الذي غادر، منذ أيام قليلة، دنيانا الفانية، إلى رحمة الله الواسعة)


(الحلقة الثَّالثة)
يقولُ السيِّد عبد المَهْديّ فَضْلُ الله إنَّ يُتمه استدرجه “إلى حافَّة اليأس، فصرتُ أمشي في ضوء سواد أحْرُفٍ الكلمة، هي تُضيء وأنا أمشي في هَدْيِ ضوئها“. ويبدو أنَّ ملامح هذا اليأس، الذي كان يعتور تفسه في طفولته الغضَّة، قاده إلى دنيا الحُزن؛ فبات والحزن رفيقي عيش وربيبي درب واحدة. وهو يُخْبِرُ بأنَّه لطالما أحسَّ، في هذا الحال، بالوحدة رغم وجود الأهل والأخوة من حوله؛ فكان ملجأه عبر فنَّين اتَّخذهما موطناً لراحته. كان سماع النَّغَمُ الحزين الباكي يستهويه ويُضفي على حياته جمالاً أحبَّ هذه الحياةَ فيه؛ أمَّا سَماع الكلمة الجميلة، تَنْبَلِجُ من الآخرين أو مِنْ قَوْلِهِ هوَ لها، فكان يُذكي في نفسه حماساً لا نظير له؛ فيشتعلُ، بالنَّغم الحزين والكلة الجميلة، الشِّعْرُ والنَّظمُ في كيانه قصائد هي مرآة حياتهِ ولُبَّ كينونتِه. ولعلَّ في هذين الموطنين للراحة، بما للنَّغم من موسيقى وإيقاع وما للكلمة من عذوبة وفنيَّة تشكُّل، ما ساهم في صوغ الموهبة الشِّعريَّة التي انطلق منها منذ طفولة العمر ويناعته. إنَّهُ شاعرٌ وليدُ كينونتهِ الذَّاتيَّةِ وإبن وجوده الخاص؛ ولعلَّ في هذا ما يوضِّح قوله “أنا لا أٌقِرُّ أنِّي تلمذتُ على أَحَدِ من النَّاس، فمعلِّمي هو نفسي، وعلى هذه النَّفسُ درستُ وتدرَّبتُ وكتبتُ ونظمتُ؛ فلم أدرس فنون الشِّعرِ إلاَّ على مُطالعاتي إذ كنتُ غزير القراءةِ سريعَ الحفظِ أمتلك المقدرة على الاستيعاب“.
سَيَكُونُ السَّعيُّ، في ما يلي، التَّوقُّف عند بعض المحطَّات العُمْرِيَّةِ الأساسيَّةِ التي يمكن القولَ إنَّ شِعر السيِّد عبد المَهْديّ فَضْلُ الله مرَّ بها. وهذه المحطَّات، كما تتجلَّى عبر قصائد هذه المجموعة، تمتدُّ من سنة 1948، يوم كان في العاشرة من سنيِّ عمره،، إلى سنة 1958، يوم قارب الثَّلاثين من سنيِّ هذا العُمر.
المحاكاة:
بدأ السيِّد عبد المَهْديّ فَضْلُ الله، يوم كان طفلاً في العاشرة من سني عمره، مشواره مع النَّظم. وجاء منظومه الأوَّل تعبيراً عن دفق عاطفيٍّ اعتراه وشوقٍ سيطر على كيانه تجاه أخيه السيِّد عبد المُحْسِن إثر مغادرة هذا الأخ عيناثا متوجِّهاً إلى النَّجف الأشرف لمتابعة دراسته فيها:
| أَأُخَيَّ إنَّ البُعْدَ أضنى فؤادِيا وأَصبحتُ من بُعدِ المزارِ ووَحشَتي وجُرِّعْتُ كأساً لا يزالُ بِمُهْجَتي فأرجو من اللهِ الكريمِ بقاءَكُم | وأسقمني حتَّى مَلَلْتُ وِسادِيا وَحيداً أُناجي اللهَ في الليلِ خالِيا يُفَتِّتُ أَحشائي ويُنزي فؤادِيا لِنُرْجِعَ أيَّاماً مضَت وَليالِيا |
يتَّضِحُ من هذا المنحى التَّشكُّليِّ للنَّصِّ، أنَّ ثمَّة تَمَثُّلاً بَيِّنَاً لِنَمَطٍ تقليديٍّ رفيعِ المستويين اللغويُّ والمضمونيُّ في صَوْغِ الشِّعر. ويتَّضِحُ، من ناحية أخرى، تمسُّكٌ جليُّ بأهدابِ ثقافة دينيَّةٍ تَرى في اللهِ المَوْئِلَ والملاذَ والرجاء. وكأنَّ الفتى، ابن السَّنوات العشر، كان يُسْقِطُ على ذاته الشَّاعرة زُبدة ما اختزنته ثقافته، مِما كان يسمعه من شعراءٍ تقليديين عاش حولهم ومعهم؛ فبات ينظمُ ما يتأتَّى له من شعرٍ بهم. ومن هنا، يمكن القول إنَّ محاكاة القصائد والأبيات والتَّعابيرِ، من النَّماذج الراقية لِلشِّعر التَّقليدي الذي عرفه الفتى، وضعته أمام أوَّل خطوة تأسيسيَّةٍ له في عالمي النَّظمِ والصَّوغِ الشِّعريين.
الثِّقةُ بالشِّعر والمَيْلُ إلى الرُّومنطيقيَّة والإرهاصُ بالصُّورة الشِّعريَّة
يوم كان السيِّد عبد المَهْديّ في الحادية عشرة من سنيِّ عمره، دلَّت منظوماته على عدَّة أمور لعلَّ من أبرزها استمرار المنحى التَّقليدي في الصَّوغ الشِّعريِّ، وهذا طبيعيُّ جداً من طفلٍ يتلمَّسُ عالم الشِّعر؛ بيد أنَّ هذا التَّقليد بدأ يضمُّ بين جنباته بروزاً واضحاً للذَّات الشَّاعرة وفهماً بيِّناً لغايتها الشِّعريَّة وثقةً أكيدةً بالشِّعر وجوداً وعيش حياةٍ مع إحساس بضرورة التَّمَرُّد والثَّورة.
لعلَّ في هذه الأمور جميعها، ما يُشير إلى أنَّ الغِنى الشِّعري الذي عاشه السيِّد في ثقافته، في تلك المرحلة، بدأ يبحث عن شخصيَّة له مستقلَّة يظهر من خلالها. من جهة أخرى، قد لا يمكن لمتلقِّي هذا الشِّعر إلاَّ أن يجد له رابطاً ما بالموجة الثقافيَّة الشِّعريَّة العامَّة التي كانت تتفاعلُ في كثير من عوالم الثقافة العربيَّة زمنذاك. ولقد تجلَّت هذه الموجة، عبر توجهات رومنطيقيَّة ثائرة ونزعة إلى الرَّفع من إتسانيَّة الإنسان وتعزيزها بالثَّورة والتمرُّد، تنفرج عنها كتابات أدباء، شغلوا الثقافة الأدبيَّة والفكريَّة في ذلك العهد، من مثل جبران خليل جبران وإيليا أبي ماضي. ولعلَّ في النَّفس العام لبعض قصائد هذه المجموعة للسيِّد عبد المَهْديّ فَضْلُ الله ما يتشابه وبعض مناحي هذين الأديبين الشَّاعرين؛ ولا بدَّ من الإشارةِ إلى أنَّ هذين الأديبين الشَّاعرين شكَّلا، في العالم العربيِّ ولبنان منه خاصَّةً، مع بعض رفاقهما من أُدباء “الرَّابطة القلميَّة“، طاقة تفاعلٍ أدبيٍّ في تلك المرحلة من مطلع النِّصف الثَّاني من القرن العشرين من الحيف العِلميِّ التَّغاضي عنها أو إنكارها.
| أنا وحدي هنا أُقَلِّبُ طرفي وأنادي بملءِ فيَّ لعلَّي …… هذه وحدتي وهذا انقطاعي فيعيشُ الوحيدُ حُرَّاً طليقاً …… وحدتي يقظة الشعور أثارت وحوت من طلائع الوحي نوراً | بين آفاقِ أمسيَ الوضَّاءِ أُسْمِعُ الصُّمَّ ما يرومُ نِدائي …… عَلَّماني انطلاقة الصَّداحِ مثلَ عيشِ الضَّميرِ في الأرواحِ …… كامناتِ الشَّقاء في أركاني مثل ضوء البدرِ في نيسانِ |
يُضاف إلى هذا، أنَّ إرهاصاً ما لِوَعْيِ وجودِ “الصًّورةِ” في الشِّعر، والسِّعيَّ إلى صَوْغٍ لها، وإن كان تقليديَّاً بشكل عام، كانت بدايته مع هذه المحطَّة سنة 1951، مرحلة السِّن الثانية عشره من عمره:
| يا سمير الحياة أترعتُ كأسي رَوِّني … رَوِّني فقلبيَ ظامٍ | مِنْ بقايا الآلامِ والأشجانِ مِنكِ يا كاسُ مِن بقايا دِناني |
وضوحُ النَّزعةِ الرُّومنطيقيَّة
نَظَمَ السيِّد عبد المَهْديّ، في سنة 1953، يوم كانَ في الخامسة عشرة من سنيِّ عمره، قصيدة بعنوان “حُلم“، جاء في مَطلعها:
| سَكَنَ الكَرى جفني وَحَطَّمَ نَشْوَتي وسرى الخيالُ ونشوتي قد أُرْجِعَتْ وبقيْتُ مَغموراً بأحلامٍ سَرَتْ الطَّيْفُ وَاكَبَ نَشْوَتي وخَوَاطِري …… مُتَفَرِّدٌ في عُزْلَتي وشقاوَتي لا يَدْري أَينَ يُريحُ رَحْلَ رِكابِه | وانْصاعَ يَغْمُرُ خاطِري بِضيائِهِ والقلبُ شَطَّرَ حُبَّهُ بِدِمائِهِ في خاطري كاللَّحنِ في أصْدائِهِ فاخضَلَّ كلٌّ مِنْهُما بِصَفائِهِ …… مثلَ الشَّريدِ يَتيهُ في بَيْدائِهِ مُتَضَجِّراً مِنْ حُزْنِهِ وشقائهِ |
ولعلَّ في هذه الأبيات، ومثيلاتِها مِمَّا نظمهُ، في هذه المرحلة من عمرهِ، ما قد يدفع المرء إلى بعضِ استحضارٍ لتوجهَّات رومنطيقيَّة في بعض ما قاله لِما قاله جبران خليل جبران في قصيدة “سَكَنَ اللَّيْلُ“:
| سَكنَ اللَّيل وَفي ثَوب السُّكون وَسَعى البَدرُ وَلِلبَدرِ عُيُـون | تَخـتَـبـي الأَحــــلام تَــرصُــدُ الأَيّــــام |
ولِما أَنْشَدَهُ خليل مطران في قصيدة “المَسَاء“:
| مُتَفَرِّدٌ بصَبَابَتي مُتَفَرِّدٌ شَاكٍ إِلَى البَحْرِ اضْطِرَابَ خَوَاطِرِي ثَاوٍ عَلَى صَخْرٍ أَصَمَّ وَلَيْتَ لي | بكَآبَتي مُتَفَرِّدٌ بعَنَائِي فَيُجيبُني برِيَاحِهِ الهَوْجَاءِ قَلْبَاً كَهَذِي الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ |
ومن نافلِ القَوْلِ، ههنا، أَنَّ كُلاًّ من هذين العملين كان يُلاقي انتشاراً واسعاً بين متذوقِّي الشِّعرِ، في هذه المرحلة من مراحل عمر السيِّد، سنة 1953؛ بل إنَّ هاتين القصيدتين، لجُبران ومُطران، كانتا من بين نصوص المحفوظات الشِّعريَّة في كثير من الكُتُبِ المدرسيَّة في ذلك الحين.
التَّنَوُّع في التشكيل البنائي للقصيدة والعناية بالصُّورة
نظمَ السيِّد قصيدةً له بعنوان “ماذا وراء الوهم“، في أخريات أيَّام سنة 1956، أي وقت كات يناهز الثَّامنة عشرة من سنيِّ عمره. أمَّا اللافت في هذه القصيدة فأمران؛ أحدهما، ما فيها من جُرأةٍ في الغَزَلِ الصَّريحِ والتَّعبيرِ عَنِ الوَجْدِ اللاهبِ؛ وهذانِ مِمَّا لَمْ يَخْبُرْهُ السيِّد في ما أَثْبَتَهُ من قصائدِ المحطَّات السَّابقة؛ والأمرُ الثَّاني يَكْمُنُ في بِنَايَتُها التَّشكُّلِيَّةِ، التي لَمْ يُثْبِتْ مُشًابِهاً لها، قبل هذا التَّاريخِ ضمنَ قصائدِ مجموعتِهِ هذه. وقد يكونُ في هذا التَّشَكُّل وتلك الجُرأة، يقدِّمهما السيِّد، ما يُمْكِنُ أنْ يُشيرَ إِلى محطَّةِ تَفَتُّحٍ في الإحساسِ والتَّشكيل البِنائيِّ له، كانَ يمرُّ بها. أمَّا الإحساسُ، فظاهرٌ عَبْرَ ما يذكره في أبياتِ هذه القصيدة من جرأةٍ في الغزلِ، ومباشرةٍ مع وضوحٍ في تبيان القَصْد. وأمَّا التَّشكيل البِنائيّ للإحساسِ، ففي اعتمادِ السيِّد عبد المَهْديّ، في هذه القصيدة، تَشَكُّلاً بنائيَّاً قريباً من التَّشَكُّلِ البنائيِّ لِلمُوَشَّح. وأَمَّا الأهميَّةُ التي يمكن أنْ يُشيرَ إليها هذان الأمران، فتكمن في انتباهِه، في هذا العُمرِ، إلى إمكانيَّة تنقُّلِه، هوَ، بعيداً عن البِنائيَّةِ التَّشَكُلِيَّة المعتادة عنده في النَّظمِ، من “صدر” و”عجز” وتساوٍ في “القافية” و”الرَّويِّ”، ضمن القصيدة الواحدة.
| قُم واسقِني نهلةً مِن خَمرِ أَحْلامي حَنَّت معازفُ أَحلامي لأَنْغامي | |
| قَد أيْنَعَ الحُبُّ هَيَّا نَرْشِفُ القُبُلا ونَسْتَبيحُ دَمَ الآهاتِ والخَجَلا ونَمْلأُ الكَوْنَ مِنْ أَنْغامِنا غَزَلا ناياً تَزُفُّ لنا حُبَّاً وقد حَمِلا |
يُلْحَظُ في هذه القصيدةِ، من جهة أخرى، أنَّ السيِّد قد بدأ يُقَدِّمُ، عَبْرَ النَّصِّ الشِّعريِّ، التفاتاً بَيِّناً إلى صَوْغِ الصُّورة الشِّعريَّة. وتأتي هذه الصُّورة لِتَبْيانِ فِكرةٍ من خلال تتابُعِ انْبِنَاِئيٍّ لها يقومُ على توالي الأجزاء أو الأقسامِ التَّصويريَّة. ولعلَّ في هذا ما قد يُثْبِتُ وَعْيَ السيِّد عبد المَهْديّ لفاعليَّةٍ للصُّورةِ، بما فيها من فنِّيَةِ صَوْغٍ وجماليَّةِ وَقْعٍ، في التَّقديم الشِّعريِّ المُتَميِّزِ للمعنى أو الفكرة:
| غَصَّت أَباريقُ تَذْكاري بِآلامي قُمْ وَاسْقِني مِنْ خُمورِ الأمْسِ يا جامي | |
| كَي أَجْتَني مِنْ دُنى ذِكْراكِ لّذَّاتي وأَجْعَلَ القَوْلَ في ذِكْراكِ مَلْهاتي هَذا أَتِيني يُرَوِّي رَوْحَ مَأْساتي لا تَنْفَعُ القَلْبَ أَنَّاتي وآهاتِي |
المَنْحى التَّفَكُّرِيُّ
يضعُ السيِّد عبد المَهْديّ، بين سنتي 1957 و1959، يوم كان يناهز العشرين من العُمر، بعض قصائدٍ تميَّزَت من سواها، في هذه المجموعة، بأنَّها قصائدٌ تحمل توجُّهاً تفَكُّرِيَّاً فيهِ رصانةٌ ومَيْلٌ إِلى الحِكْمَة. فيقولُ، على سبيلِ المِثالِ، في قصيدةٍ بِعنوان “يا حديث الدَّهر“، وقد ألقاها لمناسبة المبعث النَّبوي الشَّريف:
| شاحِبُ الآمالِ يَبني | لَوْعَتي صَمْتُ الدِّنانِ | |
| في دروبي جدولُ الآلامِ يَمْضي بأماني يَزرعُ الحَيرةَ في دربي فيَذْوي أُقحُواني | ||
| نَضَبَ الرَّاحُ وملَّت | وحشتي سُكْنى كَياني |
ويتابعُ، في قصيدةٍ أُخرى بعنوان “لا تَلُمْني“:
| غَيْرَ أنِّي لَسْتُ أَدْري فَرَشَتْ دُنْيايَ فَوْقَ الشَّـ فَحَثَثْتُ الخَطْوَ كَيْ أَمـ وَقَتَادُ الدَّربِ يَسْتلُّ د | ما بِقَلبي مِنْ دَفينِ وكِ زَهْرَ الياسَمينِ ضِي عَلى الدَّربِ الأَمينِ مي في كُلِّ حينِ |
يؤكِّد هذا المنحى التَّفَكُّريَّ، ضمن توجُّه رومنطيقيِّ واضح، استقراراً متنامِياً لِلتَّوجُّهَ الرومنطيقي في شاعريَّتِهِ. ولعلَّ ثمَّة من قد يَجِدُ في هذا المنحى التَّفَكُّريِّ الرُّومنطيقي بَعْضَ صدىً لِمِثْلِ هذا التَّوجُّهِ عند قِسْمٍ من شُعراءِ “الرَّابطة القلَمِيَّة“، وتحديداً إيليا أَبي ماضي الذي اشْتُهِرَت لهُ خلالَ تلكَ المرحلةِ من عمر السيِّد عبد المَهْديّ، في خمسينات القرنِ العشرين، قصيدة “الطَّلاسم“؛ بل إنَّ كثيراَ من كُتُبُ تدريسِ الأدبِ العربيِّ اعتمدت هذه القصيدة، أو مقتطفات منها، أنموذجاً تدريسيَّاً:
| جئتُ، لا أعلم من أين، ولكنّي أتيتُ ولقد أَبْصَرْتُ قُدّامي طريقاً فَمَشَيْتُ وسَأَبقى ماشِياُ إِن شِئْتُ هذا أم أَبَيْتُ كَيْفَ جِئْتُ؟ كَيْفَ أَبْصَرْتُ طَريقي؟ لَسْتُ أَدري! أَجَديدٌ أَمْ قَديمٌ أَنا في هذا الوجودِ هَلْ أَنا قائِدُ نَفْسي في حَيَاتي أَمْ مَقُودِ أَتمنّى أَنّني أَدْري ولَكِن… لَسْتُ أَدْري! وطَريقي، ما طَريقي؟ أَطويلٌ أَمْ قَصيرُ؟ هَلْ أَنا أَصْعَدُ أَمْ أَهْبط فيهِ وأَغورُ أَأَنا السّائِرُ في الدَّربِ أَمْ الدَّرب يَسيرُ أَمْ كِلاّنا واقفٌ والدَّهرُ يَجْري؟ لَسْتُ أَدْري! |
خلاصة واستنتاج
- يمكن، اعتماداً على ما وَرَدَ في القِسْمِ المُخَصَّصِ لاستعراضِ مسيرةِ الشَّاعريَّة عند السيِّد عبد المَهْديّ فَضْلُ الله آنفاً، ولتوضيحِ الخطوطِ الكُبرى في التَّأسيس العَمَليِّ للشَّاعريَّة عندَه، رَسْمُ جدولاً بيانيٍّاً، يُزاوجُ بين الاهتمامِ الشِّعريِّ، من جهةٍ، والمحطَّة العُمْرِيَّة التي يرتبطُ بها في مسيرة السيِّد عبد المَهْديّ فَضْلُ الله، من جهة أخرى:
| الموضوع | > | المحطَّة العُمْرِيَّة |
| المحاكاة | > | العاشرة |
| الثِّقةُ بالشِّعر والمَيْلُ إلى الرُّومنطيقيَّة والإرهاصُ بالصُّورة الشِّعريَّة | > | الحادية عشرة |
| وضوحُ النَّزعةِ الرُّومنطيقيَّة | > | الخامسة عشرة |
| التَّنَوُّع في التشكيل البنائي للقصيدة والعناية بالصُّورة | > | الثَّامنة عشرة |
| المَنْحى التَّفَكُّرِيُّ | > | العشرون |
كما يمكنُ، اعتماداً على القسمِ الأسبق المُخَصَّصِ لاستعراضِ أحداثِ خياتِهِ في مراحلِ طفولتِهِ وصِباه ومطلعِ الشَّباب، رسمَ جدولٍ بيانيٍّ آخر يُزاوجُ بينَ محطَّاتِ تَكَوُّنِ الشَّخصيَّةِ والمحطَّاتِ العُمْرِيَّة التي تزامنت وهذا التَّكوُّن:
| المحطَّة الشِّعريَّة | > | المحطَّة العمريَّة |
| التَّعرُّف على الشِّعر والنَّزعة إلى الحزن | > | قبل العاشرة |
| محاكاة النماذج الشعريَّة المتوفِّرة | > | العاشرة |
| الانفتاح، عبر المطالعة، على عوالم شعرية من خارج البيئة | > | بين العاشرة والسادسة عشرة |
| التَّمَرُّس في النَّظم والكتابة | > | السادسة عشرة |
| السَّعي الواعي إلى الانتشار شاعراً | > | التَّاسعة عشرة |
وبناء على المقارنة بين الجدولين البيانيين، يُمْكُنُ القول، وبكلِّ وضوح:
- إنَّ نموَّ الشَّاعريَّةِ عند السيِّد عبد المَهْديّ فَضْلُ الله ارتبط ارتباطاً وثيقاً بأحداث حياته ومناحيها.
- إنَّ هذه المسيرة الشِّعريَّة هي ابنة الواقع والحياة؛ عبر تعاون الظُّروف المحيطة والكَدِّ الشَّخصيِّ على حدٍّ سواء.
- إنَّ شعره بناءٌ عصاميٌّ اهتم صاحبه في إنشائه وتوطيد أركانه، معتمداً على قدراته الذاتيَّة وعلى جهوده في تطوير هذه القدرات استناداً إلى ما كانت ترفده به البيئة الشَّخصيَّة المحيطة.
- إنَّ شاعريَّته، وإن تفاعلت إلى حدٍّ كبيرٍ مع معطيات البيئة المحليَّة، بيد أنَّها تمكَّنت، عبر المطالعة وتوسيع الأفق، من التَّفاعل مع البيئة الثقافية الأدبيَّة العامَّةِ للمرحلة التي عاش فيها.
- إنّه شاعر عصاميٌّ؛ فهو أستاذ نفسه في التَّفاعل مع بيئته المحليَّة، وهو مرشد ذاته في التَّطَلُّعِ إلى ما قد يتجاوز هذه البيئة من آفاق واختيار مجالات التفاعل معها عبر المطالعة وتثقيف الذَّات.
- إنَّ هذه العصاميَّة، في تكوين المسيرة الشِّعريَّة في مراحل الطفولة والصبا ومطلع الشَّباب عنده، هي المسؤولة الأولى والأساس عن كونها شاعريَّةً ذاتَ حضورٍ شِّعريٍّ خاصٍّ ومُمَيَّزٍ من خلالِ المجموعات الشِّعريَّة الرَّاقية التي أصدرها، والتي من بينها “القنديل والغربة” و”دموع بلا ملح” و”دويُّ السُّكون“.




