أدب وفن

“قمر تموز” قصة قصيرة

القاصّة هند خضر -سوريا

قمر تموز:
أسدل الليل ستائره على نافذة قلبي التي أصابتها حجارة الزمن فهشمتها، التوقيت الفاصل بين نهاية يوم و ولادة يوم آخر، الساعة الآن :أنا إلا أنت ..
ربّاه ما أقسى ليلتي هذه!
لماذا لا تشير عقارب الساعة إلى الثانية عشرة تماماً لنكون أنا و أنت ؟
رغم أن مشرط القدر تمكن من استئصال ابتسامتي و أدخل ظلماته إلى كوكب أحلامي فأضحت كوابيساً إلا أنني اليوم أشعر بنفسي أنني أفضل، على الأقل أفضل مما سبق،
أشعر بأمواج شوق لك تتقاذفني، تارةً ترمي بي على شاطئ حبك وتارةً أخرى تعيدني غريقة في بحر عينيك ،وفي الحالتين أنا على ما يرام، نبضات قلبي معجونة بدمعة و شوق ..
دمعة على ضحكة رافقني صداها وكانت سبباً في رسم بسمة على ثغري كلما تذكرتها ..
شوق لتلك الليالي التي كنت أغفو فيها و في أعماقي حب لا ينام ..
جلست مع نفسي لأكتب لك رسائل الشوق على الليالي الوردية، السهرات الصيفية، النوافذ الحالمة والأوراق العتيقة فوجدتني أنا و أنت مع نفسي في تموز ..
قلت لي سابقاً: سآتي إليك في ليلة صيفية، ليلة تولد من رحم تموز لأضيء لك أصابعي شموعاً ،لأنير الأجزاء المعتمة في داخلك وحقاً أتيت ..
أتيت في اللحظة التي بلغت فيها رسول الشوق أن يطرق على باب فؤادك و يخبرك بأنني على وشك الاحتضار من شدة الوجد …
أيضاً أخبرت النجمة أن تقول لك: اشتقتك للحد الذي لا يحتمله القلب و يشك في حقيقة تصديقه العقل ،أليست النجمة جارة القمر؟
ها هو القمر في سماء قلبي ليوزع نوره في أرجائها و يملأ حلقات مفرغة من كل شيء و مكتظة بالأسئلة ..
عبر الرسائل كتبت له: ألست أنت القمر الذي وعدني بأننا سنلتقي في موعد غرامي و يعطرني عناقاُ؟
ردّ لي: بلى ..أنا قمرك الذي ما منح نوره لسواكِ، أنا من واعدك بأنه سيلقي بخيوطه الفضية فوق كتفيكِ فتزدادي إشعاعاً و جمالاً و مازال وعدي قائماً ..
‏هنا شعرت بهدأة في روحي وقطعة ثلج ذابت في صدري فمنحته برودتها وتابعت مراسلته:
‏أتراك شعرت بأن تياراً من الشوق اجتاحني وكاد أن يقتلع عافيتي من جسدي؟
‏كتب لي: شعوري بك يصل لدرجة أنني ألتمس أحزانك من بعيد حتى لو لم أكن قربك، إحساسي بك يجعل قلبي يلتفت نحوك، أيام البعد و القطيعة جعلتني أدرك أنك في قلبي أكثر مما مضى، يومياً أسأله عنك، أحدثه عن هذياني بك،عن خوفي عليك و عن أشواق ليس لها حدود لا شيء يخمدها إلا لقياك ..
‏سقطت لؤلؤة من عيني على خدي في تلك اللحظة، بيد خائفة ترتجف ، قلب أعياه الاشتياق و تسبب بارتفاع في درجة حرارته ،وضعت يدي على أربعة أحرف في اللوحة
‏(أ . ح . ب .ك ) لكنني لم أتمكن من كتابتها رغم أنني أحبك جداً، أخاف أن أرتدي حبك ويصيبني الرعب إن تعريت منه، ولكن ماذا أفعل بأشواقي التي تشبه جدول ماء لا ينضب؟ أشواقي التي جعلتني أدمن السهر ،منعت النوم أن يطرق بابي و قادتني للبوح لك: اشتقت لك يا من أخذت معك قطعة من قلبي و روحي، كتبت لك مطولاً و مازلت أكتب رسائل الحب التي باتت مؤلمة بعد الفراق، هل تصلك؟
‏بيده ذات الملمس الناعم و أصابعه الملهوفة لمعانقة مشاعري خط لي:كل شيء يصلني ..
‏مازال صوتك أغنيتي المفضلة، في قلبي لا يوجد لك شبيه، لو غاب الجميع و أنت هنا لا يهم، أنت أجمل من رأت عيني، ورودك لن يسقيها إلا ريّي، إن خلا الوقت منك فلن يخلو من شوقي لك فأنا أحبك ..
‏لحظة اطمئنان لا تُقدّر بثمن، أنفقت الوقت في انتظارها و هاهي بين متناول يدي، لقد أمسكت بها جيداً كمن يمسك بخشبة كطوق نجاة من الغرق ..
‏لم تعد الساعة كما كانت بل أصبحت أنا وأنت في توقيت واحد على خريطة القدر، نقتات على الأحلام و الأمنيات، نشرب من ينابيع الشوق الحد الذي نتجاوز معه الاكتفاء، نغفو على زند الليالي و بجانب كل منا يستلقي الشوق، كلما حاولنا أن نغفو داعب قلوبنا و أجسادنا و منع الكرى من مداعبة أجفاننا ، نلتقي، نتعانق ولكن ليس بالأذرع و إنما نتعانق بعيون هائمة فعناق العيون قتّال ..
‏قمر تموز واعدني وصدق، أتى في يوم اكتماله من أجلي أنا، ترجم لي مشاعري التي عجزت عن ترجمتها، سقاني قدحاً من النبيذ المعتق فشربت منه حد الثمالة ..
‏معك أنت أريد أن أصل حد الثمالة .


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى