جمال الدين بن شيخ بين ضفَّتَين

جمال الدين بن شيخ بين ضفَّتَين
عيسى مخلوف
تستعدّ منشورات “روجري” الفرنسيّة لإصدار الأعمال الكاملة للكاتب الجزائري الراحل جمال الدين بن شيخ (1930-2005)، وهي مناسبة لإلقاء الضوء مجدّداً على أحد المبدعين العرب الذين عاشوا في العاصمة الفرنسيّة وتركوا أثراً مهمّاً في حياتها الثقافيّة والأكاديميّة.
كان بن شيخ أستاذ مادّة “الأدب العربي في القرون الوسطى” والأدب المقارن في جامعة “السوربون” في باريس، وكان شاعراً وباحثاً ومترجماً، ترك لنا كتباً تشكّل مراجع أساسيّة في الحقل الذي كرّس له حياته، من مجموعاته الشعريّة المتجذّرة في الحداثة، إلى كتاب “الشعريّة العربيّة” الصادر عن دار “غاليمار” والذي تجلّت فيه قراءته للشعر العربي، وهي قراءة ترسي أسساً جديدة لمفاهيم الشعر القديم والحديث على السواء، وللعلاقات القائمة بين اللغة من جهة، والفلسفة العامّة للوجود، من جهة ثانية.
من أبرز أعمال بن شيخ ترجمته لحكايات “الف ليلة وليلة” بالاشتراك مع المستعرب الفرنسي أندري ميكيل. وقد صدرت الترجمة ضمن سلسلة “لابلياد” الشهيرة عن منشورات “غاليمار” وتُعَدّ اليوم إحدى أبرز الترجمات التي صدرت في الغرب لهذه التحفة الأدبيّة، منذ ترجمتها الأولى مطلع القرن الثامن عشر على يد المستشرق أنطوان غالان. وهذا ما أجمع عليه الكثير من الكتّاب والنقّاد في فرنسا.
لقد واكبَ ترجمة بن شيخ وميكيل عددٌ من الدراسات والكتب ومنها كتاب بعنوان “ألف ليلة وليلة أو الكلمة الأسيرة”، لبن شيخ الذي شارك أيضاً أندريه ميكيل وكلود برومون المتخصّص في دراسة الحكايات، في كتابة مؤلَّف آخر عنوانه “ألف حكاية وحكاية من الليالي”. وهكذا كانت الترجمة محصّلة عقود من العمل والبحث أسَّس خلالها بن شيخ داخل “معهد الكوليج دو فرانس” مختبراً لدراسة حكايات “ألف ليلة وليلة”، على غرار المختبر الألماني والمختبر الإنكليزي.
لم ينحصر عمل بن شيخ في ترجمة “الليالي” فحسب، بل كانت هذه الترجمة جزءاً من مشروع أكبر يهدف إلى نقل بعض أبرز وجوه الموروث الثقافي العربي إلى الفرنسيّة، كأجزاء من مقدّمة ابن خلدون، وقد قدّمها ببحث تحت عنوان “عقلانيّة ابن خلدون”، إضافة إلى القصائد الخمريّة لأبي نوَاس، وحكاية “الإسراء والمعراج” التي جمعها من مصادر عدّة، وصدرت في كتاب مصوَّر أنيق عن “المطبعة الوطنيّة” في باريس. وفي البحث الذي ختم به ترجمة هذا الكتاب، وعنوانه “مغامرة الكلمة/ مدخل إلى دراسة الحكايات الأبوكاليبتيّة العربيّة”، عمل بن شيخ على التأريخ للنصوص التي وردت فيها حكاية الإسراء والمعراج وقارن بينها، وتوقّف عند الدراسات التي تناولت تأثير هذا المنحى في الثقافة الإسلامية على كتاب “الكوميديا الإلهية” للكاتب الإيطالي دانتي.
إثر صدور “ألف ليلة وليلة” الذي استُقبل في باريس بصفته حدثاً ثقافياً، دعا متحف “اللوفر” إلى لقاء حول الكتاب، بحضور المترجمَين. وصل بن شيخ إلى اللقاء متعباً وقد أنهكه المرض، لكنّه كان كعادته صافي الذهن، وكانت نظراته تسابق ابتسامته إلى من يحبّ من المقرّبين والأصدقاء الذين جاؤوا ذلك اليوم لرؤيته والاحتفاء به. وكان فرحاً بصدور هذا العمل بالصورة اللائقة التي كان يترقّبها دائماً.
حتّى اللحظة الأخيرة من حياته، ظلّ جمال بن شيخ يحلم بإرساء حوار متكافئ بين ضفّتي المتوسّط، وكان يعبّر عن وجهة نظره في مقالات ينشرها في وسائل الإعلام الفرنسيّة، وقد جُمعَت كلّها في كتاب بعنوان “كتابات سياسيّة”، وهو كتاب جامع يتناول مواضيع عدّة، خصوصاً الواقع العربي كما كان عليه منذ أن نالت الدول العربيّة استقلالها وحتى وفاة الكاتب في العام 2005، فاستعرض فترة العنف التي عاشتها الجزائر في تسعينيّات القرن الماضي، وتحسّر على العالم العربي الغارق في الحروب والتخلّف، والمحكوم من قبل فئة من الطغاة الذين ضاعف وجودهم من التشدّد الديني ومن التيارات المتطرّفة التي عمّقت الهوّة بين تلك المجتمعات وبقية أنحاء العالم. ممّا يستوقف في هذا الكتاب أيضاً مقالة نشرها في العام 1993 تحت عنوان: “أن تكون عربياً وأنت في العشرين من العمر”، واستهلّه بالقول: “أن تكون عربياً، وأن تكون في العشرين من العمر، ولا يُقال إنه العمر الأجمل في الحياة. أن ننظر إلى بيروت مهدّمة، وبغداد محاصرة، والقاهرة وأحوالها، وفلسطين المحرومة من وجودها، ولا نتعلّم أمثولة واحدة من اليأس، بل نجعله يتراكم ونعيد إنتاجه كلّ مرّة من جديد”.
28 آب 2021 nidaalwatan




