أدب وفن

تدريسُ نصٍّ بطريقةٍ مُبتكرةٍ للخبير التربوي والدكتور حسن علي شرارة

تدريسُ نصٍّ بطريقةٍ مُبتكرةٍ للخبير التربوي والدكتور حسن علي شرارة
1- قلتُ لطلّابي تهيّأوا لساعةٍ منَ الإجهادِ الذّهنيّ اللّذيذ، ساعةٍ منَ الاحتمالاتِ، والاقتحاماتِ، والتّفسيراتِ. سنغادرُ هذا الصّفَّ الآنَ.. صفّقَ التّلامذةُ بقوّة، وسادَ ضجيجٌ خفيفٌ، هذهِ المساحةُ المُقبضةُ الّتي لا تساعدُنا أبدًا على مدِّ سيقانِ مخيّلاتِنا، وأذرعِ تحليقنِا نحو القصيِّ واللّامحدّدِ والغريبِ. سنقصدُ الحديقةَ هُناكَ، حيثُ تنمو الأزهارُ بهدوءٍ، دونَ أنْ يعترضَها أحدٌ، هناكَ في الحديقةِ سنبدعُ ونكتشفُ؛ كما تكتشفُ الأزهارُ ذاتَها، وروعتَها، ورائحتَها.
2- هناكَ نستطيعُ أن نجلسَ على التّرابِ، نتشمّمُهُ، نجلسُ عليهِ، نتحسّسُهُ بينما نحنُ نُفكّكُ بمُتعةٍ هائلةٍ ظلَّ صورةٍ مُعلّقةٍ، أو نبدّدُ ضبابَ عِبارةٍ عالقةٍ، أو نسبر غور كلمةٍ حرونٍ. في الحديقةِ يحثّنا منظرُ الأزهارِ على الإيمانِ برائحةِ الكلماتِ! نعم، يا أصدقائي، هناكَ رائحةٌ خاصّةٌ للكلماتِ، تلكَ الرّائحةُ الّتي تدوّخُنا، وتُسكرُنا، وتأخذُ بأيدينا؛ لنرقصَ، ونطيرَ، ونذوبَ، ونُطلقَ سراحَنا في أبديّةِ الأشياءِ. في الحديقةِ سنجلسُ بالطّريقةِ الّتي تُريحنا، لا رقابةَ على الجلساتِ، لا رقابةَ على شيءٍ. هُناكَ رقابةٌ على جفافِ التّفكيرِ فقط، وجمودِهِ، وضيقِهِ. لن نسمحَ لفكرةٍ مُترهّلةٍ بالمرور. الكلماتُ السّاخنةُ، والسّابرةُ، والمغمورةُ، والمحلومُ بها هيَ كلماتُنا، هي طريقُنا، هي قاموسُنا. هذه السّاعةُ ستكونُ ساعةَ اقتحامٍ هائلةٍ لكهوفِ الصُّورِ، وتفجيرٍ لأنفاقِ المعاني وآفاقها.
3- عددُ طلّابي عشرةٌ، فقد اخترتُهم بناءً على حبِّهم للأدبِ، ورغبتِهم في أن يُصبحوا كتابًا وشعراءَ.
سيسألني يزنُ: أهيَ حربٌ إذًا يا أستاذُ؟ سأجيبُ: نعم، هيَ حربٌ بالمعنى العنيفِ والدّقيقِ للكلمة. سنُطيحُ بطريقةِ التّفكيرِ القديمةِ، وسننسفُ حصونَ المعاني المُكرّرةِ، وسنغيرُ على قلاعِ المفاهيمِ النّهائيّةِ، وسنبني خنادقَ، وحصونًا، وقلاعًا مِن المفاهيمِ، والمعاني المفتوحةِ، والقابلةِ للتّجدّدِ، والعاشقةِ للنّورِ والحياةِ.
سيسألُني أميرٌ: هلْ سيكونُ هناكَ أسرى يا أستاذ؟ سأضحكُ أنا والطّلبةُ بصوتٍ عالٍ، وسيُطلُّ المديرُ مُستغربًا، ومُتهيّئًا للاعتراضِ، أوللمُساءلةِ. قلتُ: لا أسرى في حربِنا ضدَّ الموتِ والبلادةِ والظّلامِ؛ فنحنُ أمراءُ النّورِ، ومكتشفو الأبعادِ الجديدةِ، وأصدقاءُ الظِّلالِ. نريدُ أن نكسبَ هذهِ الحربَ لصالحِ الجمالِ والحبِّ، ولصالحِ هذهِ الحديقةِ المفتوحةِ، والحرّةِ، والنّظيفةِ.
4- طلّابي في الحديقةِ الآنَ، وكلٌّ جالسٌ حسبَ راحتِهِ؛ بعضُهمْ على الأرضِ مُتكئًا، وبعضُهم مُتفيئٌ ظِلالَ الوردِ القصيرِ، وآخرونَ وقفوا مُتكئينَ على السُّورِ. أمّا أنا فجالسٌ على حافّةِ السّورِ؛ أوزّعُ على الطّلبةِ أوراقًا رُصّعتْ بأسطرٍ مِن قصيدةِ “محمود درويش” (وردٌ أقلُّ)، وأراقبُ الاهتمامَ، والبهجةَ القلقةَ في وجوهِهم. أقولُ: أعيروني انتباهَكم، وحاولوا أن تنسوا ما يدورُ حولَكم مِن أصواتِ سيّاراتٍ، وطلاّبٍ، وباعةِ خُضارٍ مُتجوّلينَ، ومُدرّسينَ يُهدّدونَ.
5- أصدقائي، أمامَنا أسطرٌ شعريّةٌ للكبيرِ والجميلِ محمود درويش، سنحاولُ أن ندلفَ إلى عالمِ هذا المُبدعِ؛ مزوّدينَ بِالخبرةِ والأدواتِ الّتي اكتسبناها سابقًا: خبرةِ الرّؤيةِ المُجنحةِ الحُرّةِ، وخبرةِ تحسّسِ العالَمِ بأصابعِ الحُلمِ، وخبرةِ اختراقِ الحدودِ بأقدامٍ مِن إقدامٍ، وخبرةِ تحطيمِ الحواجزِ أمامَ رغباتِنا في استخدامِ طاقاتِنا على بناءِ عالَمٍ جديدٍ على أنقاضِ القديمِ اليابسِ.
6- طلّابي يقرأونَ بصمتٍ أسطرَ المقطوعةِ، لا شيءَ يتحرّكُ فيهم سوى أذهانِهمْ. قلتُ لهم: ارفعوا رؤوسَكمْ، واسمعوني، ثمّ بدأتُ أقرأُ بصوتٍ متلوّنٍ بالنّغماتٍ ومتموّجٍ بالنّبراتِ تِبعًا لمُنخفضاتِ المعاني ومرتفعاتِها:
وردٌ أقلُّ
أريدُ مزيدًا مِنَ العُمرِ كي نلتقي، ومزيدًا مِن الاغترابْ
ولو كانَ قلبًا خفيفًا؛ لأطلقتُ قلبي على كلِّ نخلهْ
أريدُ مزيدًا مِن القلبِ؛ كي أستطيعَ الوصولَ إلى ساقِ نخلهْ
ولو كانَ عُمري معي؛ لانتظرتُكِ خلفَ زُجاجِ الغيابْ
أريدُ مزيدًا مِن الأغنياتِ؛ لأحملَ مليونَ بابٍ وبابْ
وأنصبُها خيمةً في مهبِّ البلادِ، وأسكنُ جُملهْ
أريدُ مزيدًا مِن السيّداتِ؛ لأعرفَ آخرَ قُبلهْ
وأوّلَ موتٍ جميلٍ على خنجرٍ مِن نبيذِ السّحابْ
أريدُ مزيدًا مِنَ العمر؛ كي يعرفَ القلبُ أهلهْ
وكي أستطيعَ الرّجوعَ إلى… ساعةٍ مِن تُرابْ.
7- أنهيتُ القراءةَ، ورفعتُ رأسي؛ لأرى تأثيرَ إلقائي الشّعريِّ على الطّلبةِ، فكانَ بعضُهمْ حائرًا، وبعضُهمْ مُبتسمًا، وآخرونَ كانوا يتنهّدونَ. فطلبتُ منهمْ أن يقولوا لي عمّا وصلَهمْ مِن معانٍ وأفكارٍ وأحاسيسَ.
قالَ رامي: درويشُ يطلبُ مزيدًا مِن العُمرِ؛ يبدو أنّ في انتظارِه أشياءَ كثيرةً لا يتّسعُ العُمرُ لتحقيقِها.
قالَ براءُ: الزّمنُ قصيرٌ، والشّاعرُ يخافُهُ.
قالَ أيهمُ: الشّاعرُ يحبُّ الحياةَ، لكنّ الحياةَ لا تكترثُ لهُ.
قال أشرفُ: الشّاعرُ يبدو جميلًا، لكنّهُ مِسكينٌ؛ فهو يستجدي أيّاما جديدةً لحياتِهِ، ويعرفُ أنَّ الزّمنَ لن يستجيبَ لهُ.
قال أميرُ: الشّاعرُ يريدُ أن يسكنَ جُملةً، هذا تعبيرٌ عن رغبتِهِ في الخلودِ عبرَ الأدبِ.
قال لؤيٌّ: فلسطينُ غيرُ موجودةٍ هُنا. الإنسانُ هوَ الموجودُ. لماذا أخرجَ درويشُ فلسطينَ مِن القصيدةِ؟!
قال سرمدُ: أتساءلُ فقط عَن علاقةِ الأغنياتِ بالأبوابِ، يبدو أنّ كلَّ أغنيةٍ تبدو بابًا، وكلُّ باِب يؤدّي، أو يُسلّمُ إلى أُغنيةٍ.
قال يزنُ: درويشُ يريدُ نساءً كثيراتٍ، لِماذا؟
قال يامنُ: لماذا يريدُ درويشُ مزيدًا مِنَ الاغترابِ؟ أحبُّ أنْ أفكّرَ، لماذا؟ فالإنسانُ يبحثُ دائمًا عنِ الانسجامِ معَ محيطِهِ، لا الاغترابِ.
قال سامرُ: الشّاعرُ يحلمُ بالوصولِ إلى ساقِ نخلةٍ، لماذا نخلةٌ وليسَ زيتونةً؟ درويشُ لا يتحدّثُ عنْ فلسطينَ، والدّليلُ أنّه لا يتحدّثُ عنِ الزّيتونِ، والزّيتونُ رمزٌ معروفٌ مِن رموزِ بلادِنا.
8- قلتُ أنا: انطباعي الأوّلُ يا أصدقائي عنِ القصيدةِ أنّ درويش يحبّ الحياة جدّا. تأمّلوا يا أصحابي الفراغ المفاجئ في السّطر الأخير: “وكي أستطيع الرّجوع إلى … ساعة من تراب”.
أنا أرى أنَّ جوهرَ ولغزَ المقطوعةِ الشّعريّةِ ودلالتِها موجودٌ هُنا، في هذا الفراغِ الّذي ينتظرُ أن نُعبئَهُ، ومهمّتُنا اليومَ في هذهِ السّاعةِ أن نحاولَ تعبئةَ هذهِ المساحةَ بكلمةٍ واحدةٍ، فدرويشُ تركَ هذهِ المساحةَ لنا؛ لِنستخدمَ مُخيّلاتِنا.
الرّوعةُ ستكونُ في تجاوزِ تفسيراتِنا. ولنْ تكونَ هُناكَ إجاباتٌ خاطئةٌ؛ فكلُّ إجاباتِكمْ ستكونُ صحيحةً. أريدُ مِنكمْ أن تربطوا بينَ: الزّمنِ، والنّخلةِ، والقلبِ، والجُملةِ، والخيمةِ، والتّرابِ، والأبوابِ، والغيابِ.
من هذهِ الكلماتِ يُمكنُنا أن نُعبّئَ المساحةَ الفارغةَ، في السّطرِ الأخيرِ على ما أعتقدُ.
9- اعترضَ أميرُ قائلًا: أستاذي أنا أقترحُ أنْ نضيفَ كلماتٍ أخرى؛ لإضاءةِ عتمةِ مساحةِ الفراغِ، والكلمةُ هِيَ الاغترابُ.
أثنيتُ على إضافةِ أميرَ للكلمةِ، وطلبتُ مِن طُلاّبي التّصفيقَ لهُ، ثمّ حثثتُهمْ على البدءِ في البحثِ عنِ الكلمةِ الضّائعةِ.
قلتُ لهمْ: سأذكّركمْ بما سبقَ وقلتُهُ لكمْ عنْ طبيعةِ أسرارِ الشِّعرِ، وعلاقتِهِ بالواقعِ، وعنْ حقِّ الشّاعرِ في الانزياحِ بعيدًا عنِ الحياةِ وموجوداتِها؛ بهدفِ القبضِ على سرِّ الحياةِ وجوهرِها، وعن حقِّهِ في الهذيانِ والتّوغّلِ في الحُلمِ والأسطورةِ. فالشّاعرُ إنسانٌ مختلفٌ تمامَا؛ فهو يرى الأشياءَ، ويحسُّ بِها بطريقةِ مُختلفةٍ. والشّاعرُ كائنٌ حسّاسٌ جدّا؛ فهو يرى ما لا نرى، وأسلوبُهُ في التّعبيرِ عن شعورِهِ يختلفُ عن أسلوبِ النّاسِ العاديينَ؛ لذلكَ علينا أن لا نتأفّفَ من تركيباتِهِ اللّغويّةِ وكلماتِهِ الغريبةِ، وعلينا أنْ نكونَ صبورينَ جدًّا في تفكيكِ معانيهِ وصورِهِ؛ فدلالاتُ الشّاعرِ عبارةٌ عن حصانٍ حرونٍ ومجنونٍ، ولا يستطيعُ ترويضَها إلّا الخبيرُ، والصّبورُ، والمُحبُّ العاشقُ للوصولِ إلى أُوارِ اللهبِ، فأوارُ اللّهبِ الأزرقِ منطقةٌ خطيرةٌ وبعيدةٌ مثلَ قمّةِ إفرست. والمتسلّقونَ الصّبورونَ والمغامرونَ هُم وحدَهم الّذينَ يستأهلونَ الوصولَ لقمّةِ اللّهبِ. تأمّلوا السّطورَ جيّدًا، واربطوا بينَ الكلماتِ، وفكّكوا الصُّورَ، وحلّلوا الأفكارَ، واقلبوا أرضَ الكلماتِ رأسًا على عقبٍ، وانبشوا التُّرابَ تحتَ العِبارةِ، واغطسوا في فضائِها؛ وتجاوزوا معاني الشّاعرِ نفسِه دائمًا، واعتنقوا عقيدةَ التّجاوزَ، واخلقوا معانيَكم الذّاتيّةَ، واكتبوا نصوصًا شفاهيّةً مُنطلقينَ مِن نصِّ “درويش” الجميل. هذهِ هيَ إحدى مهمّاتِ الأدبِ؛ تحويلُ القارئِ إلى مؤلّفٍ، ودفعُهُ إلى الإبداعِ؛ لاكتشافِ ذاتِهِ، ومعرفةِ أعماقِهِ جيّدًا. تعرّفوا إلى أرواحِكم مِن خلالِ هذا النّصِّ اللّاهبِ. سافروا إلى القممِ؛ قممِ أنفسِكمْ المُضبّبةِ، واهبطوا إلى قيعانِكمْ المُغبّشةِ، والرّاكدةِ.
10- تنفّسَ طُلّابي بعمقٍ، ثمَّ مشى بعضُهم في الحديقةِ؛ وهوَ يقرأُ بعمقٍ، وصمتٍ، وتوتّرٍ، وبعضُهم انزوى في طرفِ الحديقةِ تحتَ ظلِّ السُّورِ، وآخرونَ تمدّدوا مُستلقينَ على ظهورِهم؛ وهم رافعونَ الأوراقَ، وذائبونَ في سطورِها. لم تعدْ هناكَ أصواتٌ معاديةٌ؛ فأنا درّبتُ طلاّبي على نفيِ الخارجِ، والتّركيزِ على الدّاخلِ؛ فاختفتِ المدرسةُ، وغابَ النّاظرُ، وسكنَ زعيق الصّفوفِ، وهديرُ الأروقةِ.
11- سألتُ طلاّبي: أينَ نحنُ الآنَ؟ فأجابوا: نحنُ فينا.
إبتسمتُ، وكرّرتُ همسًا بيني وبيني الجملةَ الّتي سبقَ وعلّمتُهمُ اللّجوءَ إليها حينَ تُداهمنا سيولُ الواقعِ الثّقيلِ.
اختفى طُلاّبي، واختفيتُ أنا أيضًا، كلٌّ غطسَ في ذاتِهِ؛ ليستخرجَ كنوزَهُ، وليُدركَ حقيقتَهُ.
بعدَ نصفِ ساعةٍ عُدنا إلى الأرضِ.ِ هبطَ طُلّابي أمامي بأقدامِهم المُتعبةِ، وكانوا يبتسمونَ.
قالَ يزنُ: الكلمةُ هيَ الموتُ.
قالَ أشرفُ: إلهٌ
قالَ لؤيُّ: زيتونةٌ
قالَ سرمدُ: ساعةٌ
قالَ رامي: بريقٌ
قال سامرُ: غِيابٌ
قال أيهمُ: وردةٌ
قال يامنُ: جحيمٌ
قالَ أميرُ: صمتٌ
قالَ راجي: رعبُ
قلتُ أنا: أرضٌ
12- قلتُ لهمْ: بعدَ ثوانٍ سأختفي مِن أمامِكم، ستخطفُني جِنيّاتُ الوادي. أريدُ مِن كلِّ واحدٍ منكمٍ أنْ يسألَ صديقًا يختارُهُ سؤالًا أيضًا حولَ دلالاتِ هذهِ القصيدةِ، وكلماتِها، وعباراتِها، وأجوائِها. رأيتُ في وجوهِهم الدّهشةَ المُثيرةَ؛ فخرجتُ مِن الحديقةِ، ووقفتُ في الباحةِ. فسمعتُ أيهمَ يسألُ راجي: هلْ هُناكَ موتٌ جميلٌ، وآخرُ غيرُ جميلٍ؟
سألِ رامي أميرَ: كيفَ يكونُ السّحابَ نبيذًا؟
سألَ سامرُ لؤيَّ: ما دلالةَ البابِ في القصيدةِ؟
سأل سرمدُ أشرفَ: يتحدّثُ درويشُ عنِ القُبلاتِ والسيّداتِ، وفي الوقتِ نفسِهِ يتحدّثُ عنِ الخيمةِ والرّجوعِ. ما دلالةُ المزجِ بينَ الوطنيِّ والعاطفيِّ؟
13- دخلتُ الحديقةَ قفزًا، والفرحُ يتطايرُ مِن مُقلتي، وقلبي. صِحتُ فيهم: تعالوا أضمُّكمْ، فقد أطلقتْ جِنيّاتُ الوادي سَراحي بعدَ أنْ سمعتْ هذهِ الجنّياتُ ضحكاتِكمْ، وحوارَكم، وأسئلتَكمْ.
ضممتُهمْ.. تساقطَ بعضُ دمعي فوقَهمْ.
14- فقالَ أيهمُ: إنّهُ نبيذُ السّحابِ يأتي عبرَ عيونِكَ يا أُستاذُ.
ضحكتُ وضحكوا… قلتُ لهمْ: اكتبوا جُملًا قصيرةً تعليقًا، أو إضافةً لقصيدةِ “درويش”.
قالَ أشرفُ: يا زمنُ، أيُّها القاتلُ، أعطني فرحَ أن أبقى؛ لأُساعدَ أبي في الحقلِ فهوَ عجوزٌ.
قالَ سامرُ: أريدُ مزيدًا مِن الوقتِ؛ لأحاربَ أعداءَ وطني.
قالَ راجي: أريدُ وقتًا إضافيًّا يا إلهي؛ لأحبَّ وطني أكثرَ.
قالَ سرمدُ: أقيمُ أنا الآنَ في بطنِ عِبارةٍ، ولا أريدُ أنْ أخرجَ، فالدّنيا في الخارجِ بردٌ.
قالَ رامي: أغرقني يا نبيذَ السّحابِ البُنيِّ؛ أريدُ أنْ أغيبَ عنِ الوعي.
قالَ يامنُ: غنّيتُ فجأةً؛ فانفتحتْ أبوابُ العالمِ أمامي.
قالَ أيمنُ: لا نخيلَ هُنا، بلْ زيتونٌ ونخيلٌ. فروحي هرمتْ، وأنا حزينٌ.
قالَ فراسُ: أحبُّ أن أغتربَ؛ لأرى وطني أفضلَ وأحبَّهُ أكثرَ .
قلتُ أنا: يا هديرُ العُمرِ توقّفْ؛ أريدُ أنْ أقبّلَ حبيبتي بطريقةٍ جيّدةٍ.
15- ضحكَ الطلاّبُ هُنا، وبرزَ الخجلُ السّعيدُ على أعينِهمْ.
أثنيتُ على إبداعاتِ أصدقائي، وصفّقتُ لهمْ بحرارةٍ، وطلبتُ منهمْ أن يستعدّوا لقراءتِها بصوتٍ عالٍ.
طلبتُ منهمْ أن يستبدلوا المكانَ بشقيقِهِ الزّمانَ، ويُبدعوا جُملًا مِن مخيّلاتِهم.
قالَ سامرُ: أريدُ مزيدًا مِن الأمكنةِ؛ فقد سرقَ اليهودُ أرضي.
قالَ أيهمُ: أريدُ مزيدًا مِن الأمكنةِ؛ لأسافرَ أكثرَ.
قالَ أشرفُ: أريدُ مزيدًا مِن الأمكنةِ؛ لأرى أصدقائي البعيدينَ.
قالَ سرمدُ: أريدُ مزيدًا مِن الأمكنةِ؛ لأموتَ في أكثرَ مِن مكانٍ.
قالَ لؤيُّ: أريدُ مزيدًا مِنَ الأمكنةِ؛ لأكونَ في كلِّ مكانٍ حيًّا.
قالَ رامي: أريدُ مزيدًا مِن الأمكنةِ؛ لأهربَ مِنَ الاحتلالِ.
طلبتُ منهم البحثَ عنِ الكلماتِ الّتي تُشكّلُ دلالاتٍ وطنيّةً لأيّ شعبٍ مُضطهدٍ، أو غيرِ مُضطهدٍ في العالمِ.
قالَ سامرُ: خيمةٌ.
قالَ أيهمُ: رجوعٌ.
قالَ أشرفُ: اغترابٌ.
قالَ رامي: أهلٌ.
قالَ سرمدُ: موتٌ جميلٌ.
قالَ راجي: بِلادٌ.
قال يامنُ: ترابٌ.
16- قلتُ لهمْ أعيروني سمعَكمْ مرّةً أُخرى. ثمَّ قرأتُ القصيدةَ بصوتٍ عالٍ..
لاحظتُ أنَّ استجاباتِهمْ الذّهنيّةَ أصبحتْ أفضلَ الآنَ، كانوا يتمايلونَ كأنّي أُغنّي أو أرقصُ.
قلتُ لهمْ: لاحظوا المُشتركَ فيما يريدُ درويشُ: أغنياتٌ، قلبٌ، عُمرٌ، سيّداتٌ..
سألتُهمْ: ما المشتركُ هنا؟ أجابوا بصوتٍ واحدٍ: الحياةُ.. الحياةُ.. الحياةْ.
سألَ يامنُ ما رمزُ النّخلةِ في القصيدةِ؟
قلتُ لهم: فكّروا…
أجابَ رامي: النّخلةُ رمزٌ للعلوِّ، والرّشاقةِ، والزّمنِ الخالدِ.
أجابَ أيهمُ: النّخلةُ رمزٌ للصّعودِ، والامتدادِ، والقوّةِ.
قالَ سرمدُ: النّخلةُ رمزُ النّساءِ غيرِ الموجوداتِ.
قالَ راجي: النّخلةُ هِيَ الكونُ، هِيَ الوطنُ.
17- طلبتُ منهمْ أن يكتبوا في المنزلِ نصًّا، وأنْ يستخدموا فيهِ كلماتِ نصِّ “درويش” بعيدًا عنْ دلالاتِ قصيدةِ “درويش” وفضائِها:
الغيابُ – البلادُ – السيّداتُ – نبيذٌ – ترابٌ – انتظرتٌكِ – ساقٌ – بابٌ – أهلٌ – موتٌ – قُبلةٌ.
18- فجأةَ رنَّ الجرسُ مُعلنًا نهايةَ الحصّة، فخرجْنا مِن الحديقةِ، وعُدنا إلى الصّفِّ، ولا أدري هل سمعتُ حقًّا طلّابي يردّدونَ هذهِ الجملةَ في أثناءِ صعودِهم الدّرجَ أم أنّي توهّمتُ:
“نريدُ مزيدًا منَ الوقتِ والأمكنةِ والأغنياتِ والسيّداتِ؛ كي نستطيعَ الرّجوعَ إلى ساعةٍ مِن لهبٍ لذيذٍ”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى