أدب وفن

قراءة الأديب سامي أبو اسماعيل في ديوان “أنا الآن” للشاعرة ميرفت أبو حمزة

الشاعرة ميرفت أبو حمزة

” أنا الآن” المجموعة الشعرية للشاعرة : (ميرفت أبو حمزة)
هي الآن وفي كل أوان ترتاد فضاءات جديدة، وتحلّق في أجواء الخيال مخترقةً جدار الجمود والسكينة وكينونة الأشياء؛ إلى عالم جديد غريب على الذائقة التقليدية المألوفة، وكأني بها كما قالت الشاعرة:
سعاد الصباح للشاعر نزار قباني
من أين تأتي بالفصاحة كلّها
وأنا يتوهُ على فمي التعبيرُ

نعم؛الشاعرة ميرفت تكتب (قصيدة النثر) بفيض من المشاعر الوجدانية؛ لجمهور يقرأ ويتأمل ويتذوق، ولا تستدعي جمهورا يهزج ويصفق، فهي قادرة على توصيل أحاسيسها وروحها بما تمتلك من مهارات، ولا تلتزم بأي مقولة تحبس أنفاسها، ولا تمتثل إلا لقوانينها الخاصة. هبطت اللغة الشعرية من عليائها وكبريائها ببيانها وجزالة ألفاظها؛ وسموِّ معانيها على من يحسن استثمارها.
من نهايات لاترتبط بالمقدمات
ياكلّ الأشياء الجميلة
ياوجعاً تسلّل مثل السم
ياالحمّى كلّما أقبل الليل
ياالماء البارد على جبيني
إني أكرهُكَ الآن
ومن المألوف إلى الغريب المدهش
أن تحبُكَ امرأةٌ مثلي
مصيبةٌ كبرى…
كأن تقفَ وحدك في الصحراء
وتتخيّلَ أنك خوفو
أحضرُ لك… وبيدي كأسٌ وتاج
فتصدِّق…. تتفرعنُ فجأةً
وتختبىء خلفَ جثتكَ المحنطة
……
أن تحبكَ امرأةٌ مثلي
فتغدو مجموعة كلماتٍ متناثرة
أفردكٌ بين قصائدي
وترجوني أن أعيدكَ جملةً مفيدة
قبل أن تذوب بين شفتيّ القصيدة
……
أن تحبّك امرأة مثلي….
حلمٌ…..ترتب فيه غيومَك وترفعها
إلى ذروة الإشتهاء بنظرة مني.
ومن الرمز إلى المجاز :
كلّما رأيتك مع امرأة
غرق قمرٌ في أوقيانوس الوحشة
كلّما أمسكتَ يدَ أخرى
سقطت نجمةٌ من سماء الحلم.
ومن الثابت إلى المتحول:
لو أنّك صنعت لي عربةً
من كلماتٍ كي أصلَ إليك
…..
لو أنكَ فهمتَ عفويتي المفرطة
ورتّبتها كما ترتّبُ الأبجدية
المتساقطةَ من ارتباكك حين تراني
لم تكنْ تبوح إلا بهفوات الشعر
وزغبِ السطور الممسوسةِ بالشغف
.


………….
الشعر الوجداني خيار الشاعرة وغرضها الوحيد، فآثرتْ أن تكتب عن الحب والأرق والصبابة، ولكن بأسلوب مختلف وسياق مذهل وكفاءة عالية وأحاسيس جيّاشة؛ بعيداً عن مختبرات التحليل النفسي، فترفع من حرارة المعنى، وتبلغ الذروة بإيماءاتها وإيحاءاتها؛ مخالفة النهج القديم العاجز عن الإنحناء لالتقاط تاجه المتدحرج أمام تيارات التجديد، حيث يتداخل الواقع مع الخيال، والمنطق مع الحلم، والوعي مع الحدس. لم يعد الشعر ابن الوحي، أو النقاء الخالص والتلقائية الكبرى، وهذا الجهد لايعكر بهاءه ، ولا ينتهك قداسته.
كم نحن بعوز للحب! ٠ثقافة وسلوكا


تلملم الشاعرة شتات الفكرة المبعثرة وتأتي الدلالة عن طريق الأجتهاد والتأويل، وتلك هي تجليات الرومانسية والسريالية؛ مافوق الواقع بعيداً عن المنطق؛ لكنها تعبّر عن الفكر الصافي، وعن الوعي الباطني العميق والأحوال اللاشعورية واللامعقولة وغير المترابطة؛ هي حداثة تحاكي وتواكب الواقع الذي نعيشه
قرأت كل قصائد الديوان بمتعة وشغف ولم ألمس أنّ قصيدةً متقدمة على أخرى. الجودة نفسها والسموّ ذاته. ثقافة عالية وخيال خصب وعمق مذهل، وحرفية واضحة، ومخزون من المفردات لاينضب. رموز وإشارات وإيماءات لاتنكشف مدلولاتها بسهولة، أو من القراءة الأولى، إنما تحتاج إلى وقفة طويلة وتحليل عميق، ومتابعة سياقات القصيدة وصورها المتشابكة التي يرتبط وجودها مع الإثارة والدهشة والنشوة والإعجاب، وانتقاء مفردات غير مألوفة ووضعها بشكل مفاجئ
( أريدكَ كلّك معي.. متورطاً بالموت
متورطاً بالغرق.. بقهر البحر
متورطاً بسفر النوارس
متورطاً بارتفاع الموج
بحلول العاصفة
متورطاً بجريمة التايتنك
بغرق أطلس…
تشبهني كثيرا يارجلاً من ماء
وأنا المسكونة باللعنات واللغات
اللاأفهمها.)

…………..
ضمير المتكلم وضمير المخاطب يشيان بظهور ذاتية الشاعرة، فهي تحلّق في عالم الفلسفة ، وتجنح إلى ا الخيال لأنه الركيزة الأساسية في الشعر الأبداعي، وهي تراه قيثارة تعزف من خلالها ألحان وجودها النفسي بأسلوب فني شجي ومؤثر، وتكثيف ممنهج تحت وطأة المعنى. تصوّر عالمها الداخلي، وتجسّد أحاسيسها الفيّاضة بكل مافيها من أرق وصبابة؛ بمعانٍ تتولّد باستمرار لنفس مترعة بالحب واللهفة والبهجة، وتحتفظ بالتشويق والإثارة في طقوس غير مألوفة، وبلغة راقية بعيدا عن التكلّف؛ حتى وإن كانت تنشد آمالا عبثية، وتوسّع أفق الصورة لتتّسع لأكبر قدر من الإحتمالات والتأملات والمدلولات لخلق المتعة الفنية والإنبهار والبهجة، وهذا الأمر لايمثّل نوعاً من العبث قدر مايمثّل موقفا فكريا ورؤيا مختلفة، فالتمرّد على الأحكام والأعراف والقيود الإجتماعية لم يعد غريبا.
للمشاعر أجنحةٌ قادرة على التحليق، وللخيال قدرة على توظيف الحكايات بصورة مدهشة ومؤثرة، ولجنوحه ركيزة أساسية للإبداع، وذلك مرتبط بغزارة موهبة الشاعرة ميرفت، وفي دفء مفرداتها وثرائها، وتدفق النثر وتوهجه، وتنامي المشاعر وانهمارها :
…………..
أنا الليل.. أيها الساهرُ على جرف النهايات….
أدورُ حولك مثل شغفِ الدراويش
لأخرجَ من ظلم كلماتك كالنور…
أقرع كأسي الزلال مع الله
وأسقطُ مثل سكّير كسر زجاجته الأخيرة.
………….
هناك سنبني قصرَ الغوايةِ
برمل الكلام
نغمرُ الماء بحنطة أجسادنا

………….
لكل نصٍّ نكهة مميزة وجاذبية خاصة
أينَ أمضى….؟!
أين تأخذني خيالاتي الشّريدة؟
وكيف أراه….؟!
والريحُ تمشّط المطر في شَعر كانون
لينسربَ على جبيني… على وجهي..
………..
وهل هذا هو العشقُ المألوف؟
:
…………….
أوَ تعلمُ مامعنى…..
أن تسيلَ روحي إليكَ مع المطر؟!
أوتعلمُ مامعنى أن أشهقَ باسمك…
وتنجرفَ حواسي إلى آخر الجسد؟
هذه الزهور كلُّها ظمأ……
تركتُ حدائق اللّه ونبَتُّ في وريدي
ياإله الكون ماكلّ هذا؟
اتركيني أيتها الأخيلة النائحة
دعيني أكمل حرثَ عزلتي وحدي



احترت بأي قصيدة أو بأي مقطع أستشهد…. أنني في حضرة شاعرة شابة وفي ربيع العمر تمتلك كل مستلزمات الشعر وأدواته؛ من موهبة مذهلة، وثقافة واسعة، وفكر متوهج، ولغة متينة، وخيال خصب وبيان واضح، والشعر لديها طبع وليس صنعة. لأحاسيسها ألق خاص، ولشذا شعرها عطر منعش ونكهة عذبة، ونبض متجدد. تنسج من الضياء، وتبوح بخلجات النفس متمردة على الصمت والسكون فكان لها هويتها ورؤاها.


الأديب سامي أبو اسماعيل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى