جغرافيا العشق في أيام مولانا “من الراوي إلى الرواية”

جغرافيا العشق في أيام مولانا
“من الراوي إلى الرواية”
حسين علي شعيب *
كان حدثني ذات صيف صَفيّ على شاطئ بيروت، ولمعة العشق كانت تبرق في عينيه، بعد لقائه الأول مع عرّافة البحر.
يومها، كنت جاف الكلمات معه، رغم رذاذ موج البحر الممزوج بحروفه المتلاطمة اللطيفة، وخاطبته أنّى لابن بنت الدلال الجبلية (بنت جبيل) حِرفة الغوص في أعماق البحار لالتقاط المرجان من حدقات عرّافة تاه السابحون بين بياضها وسوادها، وهام الحالمون بلحظة لحظها بين صحاري البر وفيافيه، فكيف الغوص عميقاً في مجهول “ثلثي الوجود” طمعاً في الفوز بلحظة وصال عرّافة، ما أدرك سحرها إلّا قلة من بحارة، وما ارتشفوا منها سوى بضع قطرات منذ الغيث الأول؟!
ولأنني أعرف انّه بالفطرة كان عاشقاً؛ يحييه الموت لإدراك اللا مُدْرَك ووصل اللا موصول وعلم المجهول، والتيه في اللا محدود والرقم الفرد المتفرّد، فكيف إذا كان السرّ والسحر والعشق قِلادة في جيد العرّافة؟!!
كما أعرفه حين كان يصمم، لا يكسر مجداف عزيمة إبحاره إلّا الطوفان العارم.
نعم، أعرفه عبداً جاهد لينال وسام العبودية بكل حرية..!
وأعرفه حراً كابد لينال شرف العبودية رغم السياط..!
أمّا الآن، فقد تنشقت رائحة الدهشة في رواية “أيام مولانا وقواعد العشق الأربعون”** التي جمعت وشملت من الأدب العربي الأصيل وعلم التاريخ والجغرافيا والفلك والطبيعة والفلسفة والعرفان والإشراق والعقل والمنطق وعلم الرجال، “ولو أني أعرف أنّ مِن الرجال مَن فهم حرفاً من حروفهن” لقلت: علم النساء.
بيد أنّ هذا الكنز المعرفي الزاخر الذي لمعت نفائسه في كلمات الرواية وحروفها خطّه محمد حسين بزي بيراع ضلع “العرّافة” التي أهدته لعاشقٍ بعد الأربعين، وهو منجذب إلى سحرهن منذ تمتماته الأولى، فغمس ريشته الضلع بحبر دمعة نقية من دمعاتها التي تسقسقت بين سحاب أهدابها وبحر عينيها، على الخد الوردي المشرق لقمر الزمان. ومن هناك التقط الصياد “الدكتور العاشق الحاذق” اللحظة، التي لن يجود الزمان عليه بمثلها، فصاغ روحه في روايته (أيام مولانا) وقواعد العشق الأربعون، وربما الأصح (أيام مولاته) بعد أسى الأربعين، ليرتقي في مصاف أدباء العرب بلا مبالغة أو مديح من وفاء صديق.
وبعد الذي أفضيت، من حقّ هذه الرواية على الأدب، أن تترجم إلى اللغات الحية، وإني أراه قريباً، فضلاً عن ترشيحها إلى الجوائز العالمية اللائقة بمقام مولانا وروايته علينا.