أدب وفن

مهرجانات لبنان:قصةُ روحٍ ترفضُ الانكسار، وحياةٍ تُغنى في قلب الصيف

مهرجانات لبنان:
قصةُ روحٍ ترفضُ الانكسار، وحياةٍ تُغنى في قلب الصيف

فاتن مرتضى*

في كل عام، حين يرتدي لبنان حُلةَ الصيف الذهبية، وتهمس أمواج البحر بـأسرار الأبد، وتنتشر رائحة الصنوبر في أعالي الجبال، ينبضُ قلبُ هذا الوطن بإيقاعٍ خاص: إيقاع المهرجانات. إنها ليست مجرد مناسبات عابرة تُقام، بل هي قصةُ روحٍ ترفضُ الانكسار، ونافذةٌ تُطل منها الحياةُ لتُغنى بأصوات الفرح، متحديةً كل صمتٍ حاول أن يفرض نفسه على هذا المشهد الباحِث عن البهاء.

ذاكرةُ الأنوارِ وهمسُ التاريخ


كم تحملُ هذه الساحاتُ العتيقةُ من حكايات! بعلبك، بأعمدتها الشاهقة التي تحتضنُ النجوم، ليست مجرد موقع أثري، بل هي شاهدةٌ على قرون من المجد، تُعيرُ خشبتها اليوم لأصواتٍ تنسجُ خيوط الفنِّ على نولِ الزمن. وبيت الدين، بقصرها الذي يروي قصص الأمراء والأناقة، تُصبحُ صرحاً تُزهرُ فيه الإبداعات، وتتراقصُ الظلالُ على جدرانها، محتضنةً همساتِ العشاقِ وضحكاتِ الباحثين عن الجمال. ليست المهرجانات في لبنان مجرد احتفال باللحظة، بل هي احتفاءٌ بذاكرة الأنوار التي لم ولن تنطفئ، وصلةُ وصلٍ بين أمجادِ الماضي ووميضِ الحاضر.

على أجنحةِ الموسيقى: تحليقٌ فوق الألم


في كل نغمةٍ تُعزف، في كل صوتٍ يصدح، تختبئُ قصةٌ. قصةُ شعبٍ تعلّمَ الرقصَ على جمرِ التحديات، وحوّلَ الألمَ إلى لحنٍ يستحقُّ السماع. لا تأتي هذه المهرجانات لتُنكرَ صعوبةَ الواقع، بل لتُلقي عليه ضوءاً مختلفاً؛ لتقولَ إن الحياةَ تستحقُّ أن تُعاشَ بكلِّ ما فيها من تفاصيل، وأن الفرحَ حقٌّ لا يُسلب. عندما تصدحُ الموسيقى، يشعرُ اللبنانيُ وكأن روحَهُ تُحلّقُ بعيداً عن الأثقالِ اليومية ، يستعيدُ أنفاسَهُ في فضاءٍ من الجمالِ والأمل. إنها طقوسٌ جماعية، تُعيدُ تشكيلَ النسيجِ الاجتماعيِّ الذي قد يكون قد ترهّلَ بفعلِ الضغوط، تُذيبُ الفروقات، وتُعيدُ الجميعَ إلى إنسانيتهم النقية، حيث يتساوى الجميعُ في حضرةِ الفنِّ والموسيقى.

المهرجانات: قبلةٌ سياحيةٌ تُعانقُ العالم


تتجاوزُ المهرجانات اللبنانية كونها حدثاً محلياً، لتُصبحَ نقطةَ جذبٍ سياحيٍ رئيسيةٍ تُشرقُ على خارطة العالم. إنها دعوةٌ مفتوحةٌ من قلب الشرق، تُبثُّ بلغاتٍ متعددة، لتستقطبَ الزوار من كل حدبٍ وصوب. فما الذي يدفعُ السائحَ لقطعِ الأميالِ والبحثِ عن هذه الأرضِ في عزِّ صيفها؟


أولاً، هي الفرادة. فالمهرجانات اللبنانية تُقام في مواقعَ تاريخيةٍ لا مثيلَ لها، كقلعة بعلبك الرومانية الشاهقة، أو قصر بيت الدين العثماني الفخم. هذا المزيج الساحر بين عظمة التاريخ وروعة الفن المعاصر يخلق تجربةً استثنائية لا تُنسى، تُلامسُ الروحَ قبل الأذن. السائح لا يأتي لمجرد حضور حفل موسيقي، بل ليغوص في نسيجٍ ثقافيٍ يعود لآلاف السنين، ويختبرَ لبنانَ بكلِّ أبعاده.


ثانياً، هي التنوع. فالبرامج الفنية تُصممُ بعنايةٍ فائقة لتُرضيَ مختلف الأذواق: من الموسيقى الكلاسيكية الأوركسترالية، إلى الجاز، ومن الأغنية العربية الأصيلة، إلى الرقص المعاصر. هذا التنوع يضمنُ أن يجدَ كلُّ زائرٍ ما يُشبعُ شغفَهُ الفني، سواء كان يبحث عن سهرة صيفية مفعمة بالحياة أو عن تجربة ثقافية عميقة.


وثالثاً، وهو الأهم، هو روح لبنان نفسها. فالمهرجانات تُقدمُ للسائحِ فرصةً فريدةً ليعيشَ كرمَ الضيافة اللبنانية، ليُلامسَ عن قربٍ شغفَ الشعبِ بالحياة، وليرى بعينيهِ كيف تُزهرُ الفنونُ في أصعب الظروف. إنها تُبرزُ الوجهَ الجميلَ للبنان، تُصححُ المفاهيم الخاطئة، وتُعيدُ رسمَ صورتهِ كبلدٍ حيويٍ ينبضُ بالطاقة والإبداع. السائحُ لا يشتري تذكرةَ حفلٍ فحسب، بل يشتري تجربةً كاملةً تتضمنُ المذاقَ اللبنانيَّ الأصيل، وجمالَ الطبيعة، ودفءَ اللقاءات.

اللبنانيُ: فنُّ الحياة في أبهى صورِها


من هو اللبناني؟ هو الذي يزرعُ الوردَ في أرضٍ قاسية، هو الذي يبني الحلمَ على ركامِ اليأس، هو الذي يرقصُ حين تُنادي الحياة، حتى لو كانت خطواتُ الرقصِ مثقلةً بالهموم. المهرجاناتُ هي تجسيدٌ حيٌّ لهذه الروحِ الفريدة. هي ليست مجرد عروضٍ فنية، بل هي فنٌّ الحياةِ في أبهى صورِها. عندما تُضيءُ سماءُ جبيل بالألعاب النارية، أو تتراقصُ الأجسادُ في ساحات صور، أو يصدحُ صوتُ فيروزَ في ليالي بعلبك، إنما هي قصةُ شعبٍ يقولُ للعالم: “هنا، ما زلنا نُؤمنُ بالجمال، بالبهجة، وبقدرتنا على أن نخلقَ الفرحَ من رحمِ المعاناة.”
إن هذه المهرجانات هي وعدٌ متجددٌ بأن لبنان سيبقى واحةً للفن والثقافة، وأن روحهُ لن تذبلَ أبداً. هي دعوةٌ مفتوحةٌ للجميع، ليعيشوا تجربةً فريدةً، حيث تتشابكُ أصالةُ الماضي مع حيويةِ الحاضر، وتُصبحُ كلُّ لحظةٍ قصيدةً تُغنى في قلب الصيف اللبناني.


كاتبة وناقدة لبنانية*

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى