أدب وفن

الكلمة : ذاكرةُ الزّمان ومستقبلُ البشريّة

الكلمة : ذاكرةُ الزّمان ومستقبلُ البشريّة


فاتن مرتضى*


هل توقَّفنا يومًا لنتأمَّل سرَّ الكلِمات؟ تلك الهمَسات العابِرة، الَّتي تتراقَص على شِفاهِنا، ليست مجرَّد حروفٍ صامتةٍ، بل تراتيلُ كونيةٌ عتيقةٌ، تُصاغُ بها العوالِم من العدَم، وتُعزَف الألحان الخالِدة من رِحاب الصمت.
إنها مفتاح الرّوح ونافذتُها الشَّفافة، تُشرق منها دواخِلُنا بضياء الفهم المشترَك. خيوطُها الدَّقيقة تُحيك أحلامَنا، وترسُم أحزانَنا، وتبني جسورًا تمتدُّ من قلبٍ لِقلبٍ، لتشكِّل شبكةً لا مرئيةً تربِط البشَريّةَ جمعاء.


سحر الكلمة: تحويل وتكوين


تأمَّل سحرَ الكلمة الواحدة؛ كيف تتجلَّى فيها قوَّةٌ خارقةٌ على التّكوين والتّحويل. قد تكون نجمةً ساطعةً تضيء عتمةَ اليأس، أو قطرةَ ندىً تروي ظمأَ الرّوح، أو سيفًا قاطعًا يشقُّ دروبَ الحقيقة.
فيها تكمُن قدرةٌ فائقةٌ على التّحويل العميق؛ فكلمةُ حبٍّ صادقةٍ لا تُحيي قلبًا ذابلًا فحسب، بل تبني صروحًا من الألفة تدوم لأجيالٍ. وكلمةُ أملٍ تُبعَث في الرَّماد زهرةً يانعةً، تزرع في النّفوس إصرارًا على النّهوض، وكلمةُ وفاءٍ تُشيِّد قصورًا من الثِّقة.
وعلى النَّقيض، قد تكون كلمةٌ طائشةٌ لهيبًا مدمِّرًا يلتهم أجملَ الذِّكريات، أو سمًّا بطيئًا يتسلَّل إلى صفاء الرّوح. لكنَّ سرَّ الكلمة لا يكمُن في أثرها الآنيِّ فحسب، بل في قدرتها العجيبة على العبور بين الأزمنة، وتخزين وعي الإنسان الجماعيّ.


أصداء الأزمان وجسور الأبعاد


الكلمات أيضًا هي ذاكرةُ الأزْمان الغابرة؛ صدًى لخطى الأنبياء، وحكمة الفلاسفة، وشجن الشّعراء. في طيَّاتها تُحفَظ حكاياتُ الغابرينَ، ودروس الأيَّام، ورؤى المستقبل.
كم غيَّرت خطبةُ “لديَّ حلمٌ” مسارَ التّاريخ؟ وكم شكَّلت الوصايا العَشر أو آياتُ الحكمة القديمة عاداتِ المليارات؟ إنها الوعاءُ المقدَّس الَّذي يحمل الحضاراتِ ويحافظ على جوهرها، والرّوحُ الخالدةُ الَّتي تسكُن المخطوطاتِ القديمةَ وترنيماتِ الأغاني.
في فضاءات الفكر والفلسفة، تُشكِّل الكلماتُ صروحَ المعرفة الشَّاهقة، وتُطلق العَنان لتأمُّلَاتٍ تتجاوز الزّمانَ والمكانَ، تكشف خفايا النَّفس وتلامِس جوهرَ الحقيقة. وفي رياض الأدب والشِّعر والفنون، تتراقَص الكلماتُ كالفراشات الملوَّنة، تُلوِّن الوجودَ بالخيال والجمال، وهي أنفاسُ الشَّاعر ورِيشةُ الكاتِب.
أمَّا في مجالات العلوم والطِّب والهندسة، فالكلمة هي الدِّقَّة المنظِّمة والشِّريان الحيويّ. بها تُدوَّن الأبحاثُ، وتُصاغ الفرضيَّاتُ، وتُشرح الاكتشافاتُ العظيمةُ. ولولا الكلمة، لما استطاع نيوتن أنْ يُدوِّن قوانينَه، ولا داروين أنْ يُسطِّر نظريتَه، ولا أينشتاين أنْ يُفكِّك أسرارَ الزّمان والمكان.


الكلمة في عالَم الرّوح والأخلاق


هي منارةٌ تهدي التَّائهين إلى شاطئ اليقين، ونسيمٌ يُنعِش النّفوسَ نحو سموِّ الفضائل، تُغرَس بها قيَمُ الرّحمة والتّسامُح والعدل، وتوقِظ الضَّمائر.
الكلمات في عصر الأرقام: روحٌ في الآلة
حتّى في عوالم التِّكنولوجيا الباردة، حيث تتراقَص البياناتُ والأكوادُ، تبقى الكلمة هي القلبَ النَّابضَ والرّوحَ المحرِّكة لكلِّ ابتكارٍ. إنّها الشَّرارة الأولى الَّتي تُشعِل محرِّكات البحث، والهمسةُ الخفيَّةُ الَّتي تحرِّك الذكاءَ الاصطناعيَّ ليحاوِرنا بذكاءٍ مذهلٍ، لتُضفيَ على الآلة الصَّمَّاء روحًا وفهمًا. ولم تعُد الكلمة مجرَّدةً من الحسِّ؛ فهي الَّتي تُعلِّم الآلةَ أنْ تكتب، وتؤلِّف، وتجيب عن الأسئلة كما نفعل نحن، وتفسِّر النّصوصَ وتُحلِّل الشِّعرَ وتخلُق نصوصًّا جديدةً.


في ختام رحلة الكلمات


في نهاية هذه الرّحلة مع همس الكلمات، نُدرك أنَّها أكثر من مجرَّد أصواتٍ أو رموزٍ؛ إنّها أنهارٌ متدفِّقةٌ من نورٍ تتدفَّق في دروبِ أرواحِنا، تحمل معها قناديلَ الفهمِ وسنابلَ الأمل.
هي مرآةُ النَّفس الصَّافية الَّتي تعكِس هويَّتَنا وتاريخَنا، وأداةُ التَّغيير الجبَّارة الَّتي بها تُصاغ الأفكارُ النَّيِّرة، وتُبنى المجتمعاتُ المزدهرة. ومع كلِّ فجرٍ تكنولوجيٍّ جديدٍ، ستظلُّ الكلمة هي بوصلةَ الرّوح في عالمٍ يتسارَع، ونقطةَ الارتكاز الأبديَّة الَّتي ستمكِّننا من فهم آفاق الغد غير المرئيَّة، مانِحةً إيَّانا القدرةَ الفائقةَ على تشكيلِ مستقبلنا.
فلنكن حُرَّاسًا أمناءَ لهذا النَّبع الصَّافي، نصونَها من الشوائب والزَّيف، ونُعلي شأنَها بصدق القول وجمال التّعبير. وفي خضمِّ عالمٍ يزداد صخبًا، كيف يمكن لكلمةٍ نقيَّةٍ أنْ تكون ملاذًا للحقِّ، ومرساةً في عالمٍ يتأرجَح بين الوضوح والضَّجيج؟ وهل نستطيع أنْ نجعل كلَّ كلمةٍ نقولُها بذرةً تُنبِت وعيًا وجمالًا ورحمة؟ لأنَّ كلَّ كلمةٍ نهمِسُها، أو نكتبُها، أو نسمعُها، هي شاهِدٌ أبديٌّ على وجودنا، فلنجعلها تستحقُّ الخلود.


*كاتبة و ناقدة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى