أدب وفن

​الكاتب والباحث نبيه البرجي: قلمٌ يراقب السياسة.. وقلبٌ ينبض بالأدب

​الكاتب والباحث نبيه البرجي: قلمٌ يراقب السياسة.. وقلبٌ ينبض بالأدب


​بقلم: فاتن مرتضى*


​في عالمٍ تتداخلُ فيه خطوطُ السياسةِ وتشتبكُ دروبُ الأدب، يطلُّ اسمٌ ببريقه الخاص: نبيه البرجي. هو ليس مجرد كاتب أو باحث، بل هو فارسُ كلمةٍ لا يلينُ، يُبحرُ في عُمقِ الواقعِ اللبنانيِّ والعربيِّ برؤيةٍ ثاقبةٍ، كاشفًا عن خفايا الأمورِ ومضيئًا دروبَ الوضوحِ في زمنِ الحيرة. خلف تلك الصورةِ الصلبةِ التي عرفه بها القراءُ في ميادينِ السياسة، تتوارى روحُ شاعرٍ، تُحلّقُ بقلمه في فضاءاتِ الأدبِ الرحبةِ، تُبهجُ الأرواحَ بعبقِ اللغةِ، ونداوةِ الحسِّ، وسعةِ التأملِ التي لا تعرفُ حدودًا. إنه ذاك التمازجُ الفريدُ بين عقلٍ يُدققُ ويحلّلُ، وقلبٍ يفيضُ رهافةً وحكمةً، يجعلُ من كلِّ كلمةٍ يخطُّها جسرًا يلامسُ الفكرَ والوجدانَ معاً.
​البرجي وفيروز: وطنٌ في صوت
​عندما يلامس قلم نبيه البرجي اسم فيروز، لا يخطُّ مجرد إطراءٍ عابر، بل ينسجُ نسيجًا من المشاعر المتضاربة، محبةٌ متجذرة، ووعيٌ عميقٌ بمدى تغلغل فيروز في وجداننا. إنها ليست مجرد مطربة بالنسبة له، بل هي نبضُ وطنٍ يسري في الصوت، ذاكرةٌ ترفرف بأجنحة الحنين، وحلمٌ أبديٌ لا يذوي. مقالاته عنها تتجاوز التحليل الفني لتلامس جوهرَ التجربة الإنسانية الموشومة بعطرِ صوتها الخالد. يرى فيها البرجي صدى لبنان بكل تناقضاته، بفرحه الحالم وحزنه العميق، بجماله الذي يأسر وشجنه الذي يروي. كلماته عنها غالبًا ما تكون مزيجًا من الشجن المتدفق والحنين الدافئ، وكأنما يستمع إلى صوتها في لحظةٍ فاصلةٍ بين اليأس والأمل، يجد فيها ملاذًا روحيًا من قسوة الواقع. هو لا يصفُ نغمةً، بل يرسمُ بكلماته لوحةً لأثرِ هذا الصوتِ على الأرواحِ التائهة، وعلى تاريخٍ مضى كحلمٍ بعيدٍ، وحاضرٍ يُعاشُ كصراعٍ أبديّ. إنها شهادةٌ أدبيةٌ بليغةٌ على عظم الأثر الذي تتركه الأيقونات الحقيقية في نفوس المبدعين.
​البرجي وطلال حيدر: “حُوذي القمر” وسيزيفُ الشِّعر
​عندما يتعمق نبيه البرجي في عالم الشاعر طلال حيدر، تتجلى لديه نظرةٌ تتجاوز النقد لتصل إلى شغاف الروح، نظرةٌ عميقةٌ وشاعريةٌ فريدة. يمنحه البرجي لقب “حُوذيّ القمر”، وصفٌ يختزل الكثير من الجنونِ المقدّس والعبقريةِ المتفردة التي يراها تتجلى في شعر حيدر. لا يكتفي البرجي بدور الناقد الأدبي فحسب، بل يتخذ موقع الرفيق الروحي الذي يتتبع خطى الشاعر، متغلغلًا في “فلسفة البال” لديه. يرى في طلال حيدر “سيزيفَ العربيّ”، الذي يحمل على كتفيه صخرة الوجود بكل تساؤلاتها الكبرى، عابرًا بها الأزمنة والمسافات الروحية كعاشقٍ يتيه في فضاءات الكون.
​تتسم كتابات البرجي عن طلال حيدر بشفافيةٍ عالية، حيث ينسجُ بخيوطِ شعره واقعنا المعاصر، مستلهمًا من قصائده رؤى تتأرجح بين الخيبةِ الرمادية والأملِ المضيء، بين الموتِ الذي يتربص والحياةِ التي تتجدد، بين الصراعِ الذي لا ينتهي والسكينةِ التي ننشدها. ففي إحدى قصائده التي تحمل عمقاً وجودياً وحنيناً أزلياً، يقول طلال:
“جايي من بَعدْ الزّمانْ،
مِشْتَاقْ لوجْهٍ قديمْ.”
هذه ليست مجرد صورة شعرية عابرة، بل هي همسٌ كونيٌّ عن حنينٍ إلى الجوهر والأصول، وتوقٌ إلى معنىً يتجاوز حدود الزمن، يكشف عن بحث الشاعر الدائم عن العمق والمعنى في وجه تقلبات الحياة. يستشف البرجي من شعره “اللآلئ البَيِّنات” التي تُراقصُ الأزلَ بخلودها، لا الريحَ بتقلباتها. ويصفه بـ”نبي الخيال”، مشيدًا بجرأته في مواجهة العالم بقصائد تدعو إلى تجاوز الحاضر نحو أبعاد أعمق، وتقدير الجمال الخفي في الوجود. ولعل من أجمل وأقوى ما كتب حيدر، ويُظهر عمق رؤيته وخياله الفريد بالعامية، هو هذا الشاهد الذي يليه مباشرة بعد “جايي من بعد الزمان”:
​”يا ريتْ الدّنيي بتِوقَفْ عَبَابِك،
وْلا الزّمانْ بياخُدْ عيونِكْ وْلا الغِيابْ.”
​تأتي هذه الأبيات امتدادًا قويًا للشاهد الأول، وتعمّقُ فكرةَ الحنينِ الأبديّ والتوقِ للثباتِ في وجهِ رياحِ الدهرِ العاتية، معبرة عن أمنيةٍ عميقةٍ بتجميد اللحظة عند عتبة الأحبة، وحماية عيونهم من سطوة الزمان والغياب، وكأنها صلاةٌ شعريةٌ تُحاولُ تخليدَ الجمالِ الهشِ في عالمٍ زائلٍ.
​نقطة التقاء: فيروز تغني لطلال حيدر
​تتجلّى شاعرية نبيه البرجي في تناوله لشخصيتين فنيتين عظيمتين هما فيروز وطلال حيدر، ويبرز هذا التناول فهمًا عميقًا للروابط التي جمعت بينهما. فلم يكن لقاء البرجي الأدبي بهاتين الأيقونتين منفصلًا، بل هناك جوامع فنية مباشرة، حيث غنّت فيروز بعضًا من قصائد طلال حيدر الخالدة. ولعل أبرزها أغنية “وَحدُن بيبقوا متل زهر البيلسان” التي صارت أيقونة في الشجن والوفاء، وأغنية “يا راعي القصب”، وهما عملان يجسدان لقاء الكلمة الشاعرية الأصيلة بالصوت الساحر، وينسجان خيوطًا غير مرئية بين المبدعين، تُثري الوجدانَ الجماعيَّ كبستانٍ دائمِ الخضرةِ وتخلدُ في ذاكرةِ الدهرِ كصوتٍ لا يخبُو.
​نبيه البرجي: فلسفة القلم وحكمة الروح
​إن قدرة نبيه البرجي على الانتقال بسلاسة من قسوة السياسة إلى رهافة الأدب، ومن تحليل الأرقام إلى رسم المشاعر، هي دليل على عمق تجربته وفلسفته. عندما يخطُّ الأدب، يتجلّى صوتٌ آخر في قلمه، كهمسٍ من الروحِ ذاتها، ينبضُ بالحياةِ في أبهى صورها، يتأملُ في الجمالِ الخفيِّ، ويتفاعلُ مع الفنِّ بعمقٍ يُعانقُ الأرواحَ المُتعبة. ليست كتابته الأدبية مجرّد استراحة محارب من عالم السياسة، بل هي رحلة إلى عوالم الروح، حيث تتكشّف رؤى لا يمكن للغة السياسية أن تعبّر عنها. هكذا هو نبيه البرجي، الكاتب الذي لا تُقيّده الأصناف، بل يُحرّر الكلمة من أسر القوالب، ويصوغها نورًا يتنقّلُ بين صخبِ الواقعِ ووشوشةِ الحلمِ، كفراشةٍ تلامسُ زهرَ الكلماتِ برفقٍ لتُضيءَ دروبَ الفكرِ والوجدانِ، وتتركَ أثرًا لا يُمحى.


​كاتبة وناقدة لبنانية*

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى