لن نقول له بعد اليوم: ” كيفك إنت”؟

لن نقول له بعد اليوم: ” كيفك إنت”؟
لن نقول له بعد اليوم: كيفك إنت؟ لأن الذي كان يُخاطب قلوبنا بصوته الجارح للحقيقة، غادرنا.
غادرنا زياد رحباني، الحزين دومًا وإن ضحك، الثائر وإن صمت، العاشق وإن تنكر للحب. غادرنا الذي كان يكتب بيروت بوجعها، ويرسم أرصفة الوطن بكلمات تشبه الخبز والرصاص، السخرية والدمع.
زياد، ابن فيروز، ووريث الرحابنة، لكنه تمرد على الإرث، لا كعاقّ، بل كمجنون يعرف تمامًا كيف يصنع إرثًا آخر… إرثًا من الغضب النقي، والموسيقى المنكوبة، والمسرح الذي يبكي ويضحك في آن. هو الذي جعلنا نضحك من عمق الوجع، ونصغي إلى ألحانه وكأنها طقوس عبور من خيبة إلى خيبة، ومن وطن إلى فكرة وطن.
لن نقول له بعد اليوم: “كيفك إنت؟” لأن السؤال نفسه أصبح باطلًا في حضرة الغياب. فهو الذي أعاد تعريف معنى أن تكون “مش منيح”، أن تكون موزّعًا بين بيروت المقهورة، والعدالة المقهورة، والروح المقهورة.
كتب عن الفقير والسكير، عن الموظف المهزوم، عن المرأة المعلقة بين الحب والخذلان، عن الوطن الذي صار مجرّد سؤال عالق في عقول الناس. كلنا كنا شخصيات زياد، كلنا عرفنا “سهرية”، ” نزل السرور “، و”بالنسبة لبكرا شو؟”، و”فيلم أميركي طويل”، ” شي فاشل ” “بخصوص الكرامة والشعب العنيد “، ” لولا فسحة الأمل” …وكلنا بكينا حين سمعنا : “شو يعني الشعب؟ يعني يصرّخ وما حدا يرد عليه؟”
غادر زياد، لكننا نسمعه بعد… في صوته المرتجف وهو يقول: “هيك الدنيا؟ إيه هيك… نحنا منعرف.” وفي صمته العميق حين لا تعود للكلمات من فائدة.
لن نقول له بعد اليوم: “كيفك إنت؟” لكننا سنقول لكل مقهى في الحمرا، ولكل مقطع مسرحي نعرفه عن ظهر قلب، ولكل شارع منسيّ في أرشيف الذاكرة: “كان زياد يمرّ من هنا… تاركًا نكتة، وجعًا، أو توقيعًا موسيقيًا لا يُمحى.”
هو لم يكن مجرّد فنان. كان سؤالًا سياسيًا، وموقفًا وجدانيًا، وصوتًا غير قابل للترويض. سخر من الجميع، حتى من نفسه. أحب فيروز، ثم صمت. آمن بالناس، ثم تعب. لكنه بقي لنا، الصوت الأكثر صدقًا في زمن الأقنعة.
زياد،
لن نقول لك وداعًا، فوداعك خيانة. سنترك مقعدك خاليًا في مسرح المدينة. وسنصغي كلما مرت ضحكة حزينة، أو لحن يعرّي الحقيقة… وسنهمس دائمًا:
”كيفك إنت؟”… ما رح ننسى نسأل. .




