أدب وفن

“مساء الارواح الطاهرة” تحت مجهر القراءة

(قصة ونقد)

القصة بقلم الدكتور بسام الحاج


“مساء الأجساد الطاهرة”

في المساء، كانت الأرواح تضيء الشوارع بدل الكهرباء.
يتسابق الأطفال إلى حيث الغبار… يشتمّون رائحة أمهاتهم تحت الركام.
لا أحد يصرخ.
الجثث مغسولةٌ بالصبر… مضمّخةٌ بالبكاء… مغطاةٌ بآيات العرش.
اقترب الصحفيّ الأجنبيّ، سأل:
“لماذا لا تدفنونهم؟”
فأجابه الطفل:

“نخشى أن نُغضبهم، إن أنزلناهم من السماء.”

قراءة أدبية نقدية بقلم الشاعرة حنان بدران

“مساء الأجساد الطاهرة”

ليس مجرد عنوان، بل بوابة لمفارقة شعورية عميقة.وكان العنوان جزء من النص فيه
“المساء”:
رمز للسكينة، للختام، وربما للراحة بعد العناء.
أما “الأجساد الطاهرة”،
فهي مفردة مثقلة بالدلالات؛ إنها الشهداء، أولئك الذين رحلوا دون أن يتسخوا بعار الحياة أو بصمت العالم.

الطهر هنا ليس وصفًا جسديًا، بل قداسة وجودية، وكأن النص يعيد تعريف الطهارة عبر الألم.

  • البناء الفني: من السكينة إلى الانفجار الرمزي

النص يبدأ بصورة متناقضة:

✓✓ “كانت الأرواح تضيء الشوارع بدل الكهرباء.”

هذه الجملة تبني عالماً غير مألوف، تتحول فيه الأرواح إلى مصدر إنارة كلها لطهارتها،للبذل بالنفس والروح والمال والولد ،للفداء الذي جُبلت عليه،ولأنهم بايعوا الأرواح لله وحده، لا كناية عن الأمل فقط، بل عن استمرار حضور الشهداء في تفاصيل الحياة اليومية، حتى بعد فنائهم الجسدي.

يتصاعد النص نحو ذروة درامية بطيئة وموجعة:

✓✓ “يتسابق الأطفال إلى حيث الغبار…”

✓✓هؤلاء ليسوا أطفالًا عاديين، بل أيتام الركام، يبحثون في الغبار عن الأمومة، عن الحنان،الأمان،الاستقرار الذي تبخر مع الدمار.
.
ثم تأتي الذروة، في حوار يختصر فلسفة النص كلها:

✓✓”لماذا لا تدفنونهم؟”
“نخشى أن نُغضبهم، إن أنزلناهم من السماء.”

في هذه الجملة، ينقلب سؤال الحياة والموت، ويُعاد ترتيب القيم:
الميت صار سماويًا، مدفونًا في السماء، وصلوا إلى الراحة الأبدية التي لا تعب ولا شقاء بعدها،لا ألم لا وجع لا دموع ،إذا أي دفن في الأرض سيكون نزولاً من مرتبة عليا..؟!
✓✓ اللغة والصورة: الشعر في النثر

النص يفيض بالصور الشعرية، دون أن يتورط في التزيين:

“الجثث مغسولةٌ بالصبر”

“مضمّخةٌ بالبكاء”

“مغطاةٌ بآيات العرش”

كل صورة هنا ليست مجرد بلاغة، بل وثيقة نفسية ودينية.
الجثة ليست شيئًا مرعبًا، بل كيانٌ مطهّر، مغسول، محميّ بالنصوص المقدسة

✓✓ الرمز والمجاز: الطفل نبيُّ المرحلة

الطفل، في نهاية النص، هو الناطق باسم المنطق الجديد.
لم يعد مجرد طفل، بل فقيهٌ في الطهارة والقداسة.
إجابته ليست عفوية، بل “كلمة حق” تُطلق في وجه موتٍ يُراد له أن يكون عابرًا.
هنا الرمزية العليا:
الشهداء في عرف الاحتلال “جثث”، وفي عرف الطفل “ملائكة تسكن السماء”.

✓✓ التوثيق الأدبي: ما بعد الخبر

النص يوثق عادة حقيقية تُمارس في غزة: تأخر دفن الشهداء تحت القصف.
لكنّه لا يقدّم هذه الحقيقة كخبر، بل كـ”طقس ميتافيزيقي”.
الفاجعة تحوّلت إلى أسطورة جديدة، إلى “دين تحت القصف”، تُعاد فيه كتابة الطقوس والمفاهيم.

✓✓ خلاصة:

“مساء الأجساد الطاهرة” هو نصّ شديد التكثيف، يحوّل المأساة إلى أسطورة،
لا يُقرأ فقط، بل يُرتّل.

نص مدهش وشاهد على واقع بات جزء من يوميات الوجع الذي نعيشه،جسده..
[ الدكتور بسام الحاج]لنا بقلمه وكان شاهد على عصر وواقع ما زلنا نعيشه .

بقلم
الناقدة
حنان بدران

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى