أدب وفن
الوهم الخلّاق ..حين يكتب الكاتب لتحقيق نزواته

الكاتب ابراهيم عثمان
الوهم الخلّاق
حين يكتب الكاتب لتحقيق نزواته
يُخيَّل إلى معظم الكتّاب – إن لم يكن جميعهم – أنهم، مع كل نص جديد، يضيفون لبنة في صرح الأدب الإنساني، أو أنهم يحرّكون ساكنًا في عالم الكتابة. لكن، إذا نظرنا بعمق إلى ما يُنتج، بعيدًا عن المديح المتبادل والوهج اللحظي للنشر، سنكتشف أن كثيرًا مما يُكتب ليس إلا تدوينًا متقنًا أو مرتبكًا لِنزوات شخصية، ورغبات دفينة، لم تجد سبيلها إلى التحقيق في الواقع، فلجأت إلى الورق.
- الكتابة كتعويض نفسي
الكتابة، بهذا المعنى، ليست دائمًا فعل إضافة معرفية أو جمالية، بل قد تكون، في جوهرها، أداة تعويض نفسي. فالكاتب الذي لم يعش حبًا كاملًا، قد ينسجه في قصته بترف العاطفة التي لم يمنحها له الواقع. والروائي الذي لم يجرؤ على مواجهة السلطة، قد يقتلها في نصوصه أو يسخر منها بلسان أبطاله. هنا تتحول الكتابة إلى فضاء لتصحيح ما لا يمكن تصحيحه في الحياة، أو لتحقيق ما لن يُحقق خارج النص. - الإبداع بين الوهم والحقيقة
الوهم الذي يرافق الكاتب ليس ساذجًا دائمًا، بل قد يكون ضرورة للاستمرار. فلو آمن الكاتب أنه لا يضيف شيئًا، ربما توقف عن الكتابة تمامًا. هذا “الوهم الخلّاق” يعمل كمحرك داخلي، يبرر للكاتب الوقت والجهد الذي يبذله، ويُشعره أنه يشارك في مسيرة الإبداع البشري. لكن الحقيقة قد تكون أقل رومانسية: معظم النصوص الجديدة تعيد صياغة الأفكار والأنماط السابقة، بلغة مختلفة أو زاوية رؤية مغايرة، دون أن تكسر الأفق الأدبي السائد. - بين النزوة والرسالة
لا يمكن إنكار أن نزوات الكاتب – سواء كانت رغبة في الانتقام، أو التمجيد، أو الإغراء – تترك بصماتها على النص. لكن السؤال الأهم: هل يتوقف النص عند تلبية هذه النزوة، أم يتجاوزها ليصبح خطابًا إنسانيًا عامًّا؟ النص الذي يظل حبيس رغبات صاحبه، قد يرضيه شخصيًا لكنه يظل ناقص القيمة للآخرين، أما النص الذي يتجاوز الذات، فيتحول من “تفريغ نفسي” إلى “إضافة أدبية”. - الوهم كأداة للنجاة
ربما علينا أن نتصالح مع الفكرة: الكاتب لا يكتب ليضيف فقط، بل ليعيش أكثر من حياة، وليختبر ما لا يمكن اختباره، وليصالح نفسه على خساراتها. الإضافة الحقيقية – إن وجدت – هي أثر جانبي لهذه العملية. فالوهم إذن ليس خداعًا خالصًا، بل استراتيجية للنجاة، تمنح الكاتب وهم الإنجاز، وتمنح القارئ وهم المشاركة في تجربة فريدة.
خاتمة
الكتابة، في النهاية، مزيج من الوهم والحقيقة، من النزوة والرسالة، من الذاتية المفرطة والانفتاح على العالم. ربما لن يضيف معظمنا جديدًا حقيقيًا إلى الأدب، لكننا، عبر أوهامنا الصغيرة، نضيف شيئًا آخر: شهادة على أننا حاولنا أن نعيش أكثر من حياة واحدة، ولو على الورق.
بقلم: ابراهيم عثمان




