أدب وفن

بصمة روح/ بقلم القاصّة هند يوسف خضر- سوريا

بصمة روح

كانت ليلة كانونية قاسية، حبات المطر المتساقطة بغزارة تعزف الحاناً على زجاج النوافذ لتشكل نونة موسيقية ترسم سر الحياة..
انتظرت ليلي قرب نافذة المنزل توقف المطر لتخرج، وراحت تراقب المشهد، وقد بدت عليها علامات الفرح والحيرة، بعد أن ارتدت سترة من الصوف ذات القبة العالية و بنطالاً من الجوخ، وضعت معطفها البنفسجي فوق ملابسها ، مر وقت طويل لكن المطر لم يتوقف قررت المغامرة والخروج من المنزل تحت وقع حبات المطر.. كانت المسافة التي ستقطعها بالذهاب إلى عملها قصيرة لكنها تحت المطر تصبح أضعافاً مضاعفة،
قلبها الحساس كان يمتص كل لحظة تحاول كسر المسافة، لم تستطع الاستمرار بالمشي لشدة المطر فقررت الجلوس في مقهى صغير و قريب من منزلها، كانت تستمتع بالوقت الذي تقضيه هناك، في أيام الشتاء فهي تأخذ كوب شاي بالنعناع ليمنحها بعض الدفء الذي تفتقده…
جلست على طاولتها المخصصة، راحت تراقب حبات المطر و هي تتساقط برقة على الزجاج، قدم لها النادل مشروبها المفضل كالعادة، بدأت تتحسس طرف الكوب بأناملها الرقيقة فبدت و كأنها تداعبه، لم يكن يوماً مختلفاً عن سواه و لكن لم تتوقع أن لقاء بسيطاً سوف يغير حياتها إلى الأبد…
في تلك الأثناء دخل قيس بخطواته الرزينة، طوله لافت للانتباه ،حضوره مميز، مبتسماً بطريقة تجعل القلب يرقص قبل أن يعرف السبب، عيناه الداكنتان تحملان سحراً لا يمكن تجاهله، كان يلتفت و ينقل بصره ليحدد مكاناً يجلس فيه حيث المقهى يعج بالناس رغم برودة الجو…
صوت قاطع شرودها: يا آنسة من فضلك …هل تسمحين لهذا الشاب بالجلوس معك على الطاولة إن لم يزعجك الأمر؟
التفتت للنادل و قالت: حسناً …ليس لدي مشكلة
قيس: يبدو أن المطر اختارنا اليوم
ليلى: ربما نحن اخترنا أن نراه معاً
لحظات من الصمت و الارتباك خيمت على المشهد ثم تابع: هل تأتين كل يوم إلى هذا المكان؟
ليلى: نعم بعد أن أخرج من عملي لكن اليوم اضطررت للجلوس في هذا التوقيت لأن المطر قوياً سأجلس حتى تخف حدته لأذهب إلى عملي، لكن في الأيام العادية الشتوية أرتاد هذا المكان لأختلي بنفسي قليلاً أو ربما لأستعيد الجزء الذي افتقدته منها..
قيس: أما أنا يبدو أنني وجدت ما أبحث عنه…
لقاء قصير غير مجرى حياتهما، أصبحا يلتقيان يومياً حتى أصبح اللقاء ضرورة في تفاصيل حياتهما، يحدثها بعينيه، تحدثه بعينيها، ضحكته كانت الموسيقا التي تتسلل إلى صمتها، صمته كان مأوى للخواطر التي لم تجرؤ على نطقها، كان يفتح جميع الأبواب المغلقة بمفتاح ثقافته و معرفته، شعرت أن كل شيء حولها أصبح أكثر وضوحاً و أن العالم كله ينحني للحظة تجمعهما…
قيس صاحب الأحلام المفتوحة أما ليلى فهي صاحبة النهايات الناقصة…
مع مرور الوقت رأت نفسها معه بطريقة لم تعهدها من قبل، شعرت بأمان غير مسبوق فأخبرته سراً كان يؤرق مضجعها، روت له عن لحظة مشت فيها على حبال من النار عندما التقت ذات نهار ببائع الأوهام، بدأت تلملم بقاياها المحطمة لكنها لم تستطع أن تتجاوز ذلك لوحدها، بحثت عن بضعة قطرات من الندى لتخفض بها حرارة قلبها دون جدوى…
قيس بدوره في البداية كان غامضاً، يحتفظ بأسرار عميقة، لا يبوح إلا بما يريد البوح به، بعد أن أصبحت تعني له شيئاً أخبرها أنه كظل هارب من شبح القدر، بحث مطولاً عن فيء قلب يستريح تحته، تهشمت حنايا روحه ذات خطيئة ولكنه كان يضيء كل مساء شمعة أمل..
بدا المشهد كأن كل واحد منهما ينتظر قدوم الآخر أو أن الزمن قد رتب لذلك…
بخمس كلمات استطاع أن يترك بصمة على جبين أيامها مما جعلها ترى العالم بعين جديدة…
في دقيقة كل شيء تغير، كان يظهر و كأنه قريب ثم يختفي كمن يختبر حدود القلب بعد أن ترك بصمته، جاء يوم و اختفى فجأة، بات المقهى خالياً و بارداً، تلاشت اللقاءات ولم تعد تصل الرسائل، أحست أن الصباح فقد ألوانه، كل شيء يذكرها به (ضحكة عابرة، نغمة أغنية و حتى رائحة القهوة في الصباح) أصبحت حائرة بين الشك واليقين، الواقع والخيال، الوهم والحقيقة رغم إدراكها أن لا أحد يستطيع انتزاعها من بين ضلوعه، كانت تتجول في الشوارع، تتذكر كل كلمة قالها، كل نظرة و كل ابتسامة وكأنها نقش دائم على روحها، تلمس وجوه المارة، تبحث عن شعور غريب كان يربطه بها، فتجد في كل مكان ظلاً من حضوره حتى الهواء كان يحمل صدى ضحكته من كل زاوية، قلبها لا يستطيع التوقف عن السؤال: لماذا رحل..هل كان كل شيء حقيقياً؟
في كل مساء تتحدث إليه بصمت بينها وبين نفسها، تبحث عن إجابة لا تأتي…
بعد صراع داخلي استنزف طاقتها و قوتها عند منتصف الليل استطاعت إقناع نفسها أن بعض الأشخاص لا يرحلون…بل يتركون أثراً في الروح لا يختفي أبداً، أغمضت عينيها و حاولت النوم، جاءتها رسالة في الحلم:
بصمتك في روحي لم تكن مروراً…بل كانت إقامة أبدية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى