سمية تكجي* : “رصاصة ساقطة ” روايات في قلب الرواية

سمية تكجي *
رواية “رصاصة ساقطة “
المؤلفة / الروائية هيام التوم
صادرة عن دار النهضة العربية
هي “رصاصة ساقطة ” رغم رأسها المرفوع نحو السماء
لوحة الغلاف رصاصة ضخمة تحتل معظم مساحة الغلاف تماما كما تحجب المدينة خلفها و كأنها تتحكم بمصيرها
الكتاب عدة فصول و روايات في قلب الرواية و عناوين الفصول تؤشر بأصابعها العشرة الى المضمون و كأنها الخلاصة و العبرة.
لافت جدا كيف استهلت الكاتبة روايتها
“مرحبا انا المصيبة “و كأن المصيبة تعقد بينها و بين القراء معاهدة إلفة و رفع كلفة و كأنها تقف على مسرح تفاعلي و تخاطب قائلة : احترسوا و احصوا انفاسكم و تحضروا للأسوأ في كل فصول الرواية …و مع الكاتبة و اسلوبها الادبي الممتع نعبر نحن و المصيبة التي لا بد منها لاختبار الحياة ص( ٩ )
قيل : لكي تعرف الحياة عليك بزيارة ثلاثة أماكن : المستشفى ، السجن ، المقبرة …
و أضيف اليها إقرأوا الروايات و خاصة الروايات التي تقطف من الحياة بأفراحها و أتراحها نسخا حقيقية و أبطالا من لحم و دم نتماهى معهم نسافر في ذواتهم نتعاطف مع همومهم و نعود الينا أكثر احساسا و أكثر انسانية و طبعا رواية ” رصاصة ساقطة ” تتحلى بكثير من هذه المواصفات .
أمل البطلة الرئيسية تطل برأسها في كل فصول الرواية تباعا بأصوات متنوعة كمايسترو تضبط ايقاع العازفين على اوتار الحياة
مهنة الكاتب و تأثيرها في أدبه
كاتب و طبيب او ما يدور في فلك الطب
الروائية هيام التوم روائية و هي في الوقت نفسه معالجة فيزيائية و مهنتها التي تدور في فلك الطب يعود بنا الى مثلث الطبيب -المرض -المريض و هذا المثلث كما يقول المثل العامي (خبزته و عجنته) و يبدو ذلك جليا في حبرها من شهقة الحبر و حتى ياء الأنامل من خلال التواصل الانساني اللصيق بالمرض و الألم و الموت و كل تلك اللحظات التي تكون فيها الحياة جسدا و روحا و حتى العلاقات الإنسانية على جمر الإختبار.
و في عالم الأدب شواهد كثيرة على كتاب أطباء برعوا في كتابة الرواية منهم تشيخوف و دويلي و غيرهم … حيث أثرى الجانب العلمي الإنساني الجانب الآخر الإنساني الأدبي و اذا استذكرنا على سبيل المثال لا الحصر غوستاف فلوبير الذي ترعرع في طفولته في المستشفى حيث كان دائما برفقة والده الطبيب و كيف أثر و أثرى هذا الأمر في كتاباته …فهذا الكاتب الذي يعود اليه مصطلح : la mirada medica النظرة الطبية
أي هذا القرب من الإنسان و انفعالاته و عواطفه و هو في خضم شفافيته
البطولة الإضافية
الطب و العلاج الفيزيائي الذي يدور في فلكه يمنح الكاتب بطولة إضافية كون الناس ينظرون اليه و يرون فيه الشفاء و الخلاص فهو من ينقذ الأرواح و يضمد الجراح و مهمة المعالج الفيزيائي ربما اوسع من الطبيب لأنه يدخل بيوت المرضى و يقضي اوقاتا متكررة و طويلة نسبيا ينشأ عنها صداقة و تقارب و نوع من الإلفة و الثقة و هذا يعتبر خزانا هائلا مفتوحا
على قصص الحياة المتنوعة ص( ١٨)
و كذلك فإن مهنة الطب و كل المهن التي تدور في فلكها تمنح الكاتب روح التأمل فبحكم قربه اللصيق بالمريض يسجل تفاصيل دقيقة من اعماق الذات الإنسانية حول تأثير المرض و المعاناة في سلوك الأبطال و لقد تجلى ذلك بوضوح في قصة لين و رحلة علاجها ، لين يتيمة الاب و الوطن اثر انفجار المرفأ المروع ،حيث مرت الكاتبة بإيجاز معبر على كل المآسي و الويلات التي تفوق قدرة النفس البشرية على احتمالها
و كذلك في قصة ورد الأم المنسية في مأوى العجزة من قبل ابن انفقت العمر في رعايته فلما اشتد ساعده رماها بالجحود و النسيان.
تتوالى البيوت و القصص و المصائب و هي المصيبة من العيار الثقيل و المآسي بنسخها الأصلية
فنعود و نستذكر ما استهلت به الكاتبة روايتها : مرحبا انا المصيبة …
لكن البطلة أمل المثقلة بأحمال الحياة من موت والدها بتلك الرصاصة الساقطة و زواجها اللاحق الذي عانت منه الأمرين هي القصة الرئيسية و في قلبها كل القصص الباقيات

الماتريوشكا او الدمية الروسية و روايات في قلب الرواية
روايات في قلب الرواية
و كانت رواية الكاتبة هي الماتريوشكا ( الدمية الروسية) التي احتوت كل القصص …
هذا الأسلوب يلجأ إليه الروائيون ربما عن عمد و ربما بشكل انسيابي يفرض نفسه في عملية السرد و هو يمتلك مزايا عدة منها على سبيل المثال انه يعتبر كمنشط لذاكرة للقارىء …فحين يقرأ احدنا رواية رصاصة ساقطة و يتركها جانبا ثم يمضي الزمن . و تقع الرواية مجددا بين يديه لا بد ان يتذكر بطلا من الأبطالو يتذكر قصته في الرواية ربما تكون لين او ورد او غيرهما ..
و يعتبر أن الرواية لم تنتهِ بعد و ثمة الكثير مما يروى بعد …
و كذلك هذا الأسلوب في السرد و تنوع القصص في الرواية يفتح للقارىء نوافذ إضافية و فضاءات أخرى لمتعة القراءة …
هذا غيض من فيض ” رصاصة ساقطة ” مبارك للروائية هيام التوم





