أرشيف /قصة قصيرة / بقلم الكاتب رضا يونس

أرشيف.. قصة قصيرة
بعد طول انتظار استلم وظيفته الجديدة، مسؤول استقبال في “مكتب الذاكرة العامة” ذلك المبنى الذي لا يعرف الألوان، يدخل إليه الناس كي يتخلّصوا من ماضيهم المرهق، ويخرجون بلا ذاكرة. وظيفته بسيطة للغاية، فهو يستقبل الراغبين في محو ذكرياتهم السلبيّة، يسجّل تفاصيلها في ملفّ ورقيّ، ثمّ يودعها في الأرشيف؛ لتُنسى إلى الأبد.
في البداية كان يعتبر الأمر روتينيًّا، لكنّ شيئًا بدأ يزعجه. كلّ ذكرى تُسَلَّم إليه كانت تترك أثرًا صغيرًا في رأسه، كأنّها بقعة حبر لا تزول. بعد سنوات، صار يحمل داخله آلاف الذكريات التي ليست له، كذكرى طفل غرق في بحيرة، وامرأة خانت زوجها، وجنديّ أطلق النار على صديقه في معركة ضبابيّة.
لم يعد يَدْرِ أيُّها تخصُّه وأيُّها مستعار. صار يشكُّّ في كلّ تفصيلة من حياته، حتى ابنته التي يراها كلّ مساء في البيت؛ هل هي ابنة حقيقيّة من صلبه، أم مجرّد ذكرى مسرّبة من ملفّ قديم مجهول الهُوِيّة؟
في ليلة خربفيّة، قرّر الدخول إلى الأرشيف. فتح ملفّاته واحدًا تلو الآخر، لم يجد أيّة ورقة. كلها صارت بيضاء. حينما أمعن النظر، اكتشف أن الحبر قد تسلّل إلى رأسه هو، وأن المبنى برمّته ليس إلا قوقعته الخاصّة.
وحين أطلّ من النافذة في الطابق الأخير، رأى الناس في الشارع يتهامسون:
“ذاك الرجل هو الوحيد الذي يتذكّرنا”.




