أدب وفن
قراءة في ديوان«أغاني مهيار الدمشقي» لأدونيس:ثورة الشعر عبر قناع الأسطورة

فاتن مرتضى *
قراءة في ديوان
«أغاني مهيار الدمشقي» لأدونيس:
ثورة الشعر عبر قناع الأسطورة
حين صدرت مجموعة أدونيس الشعرية «أغاني مهيار الدمشقي» سنة 1961، كانت إشارة واضحة إلى ميلاد تجربة شعرية مختلفة، تجربة تخلط بين التاريخ والأسطورة، بين الذات والعالم، بين التراث والحداثة. لم يكن الديوان مجرد مجموعة قصائد، بل كان بيانًا شعريًا وفلسفيًا يفتح أفقًا جديدًا للقصيدة العربية.

- مهيار الدمشقي: القناع والهوية الشعرية
اختيار أدونيس لشخصية مهيار الدمشقي لم يكن عشوائيًا. مهيار ليس مجرد اسم، بل هو قناع شعري يمكّن الشاعر من تجاوز ذاته الفردية إلى عالم أوسع من التعبير. هذه الشخصية تمثل صوتًا تاريخيًا ومعاصرًا، تتحدث من تحت ركام التراث ومن فوق أصداء الحاضر.
«أجيء من قمرٍ لم يره أحدٌ،
وأسير إلى قمرٍ لن يراه أحد»
هذا البيت يعبر عن الاغتراب الوجودي، حيث يُقدّم الشاعر نفسه ككائن خارج حدود الزمان والمكان. الرمز القمري يشير إلى الصفاء الروحي والانعزال، مما يعكس حالة الشاعر في مواجهة الواقع. يتكرر هذا النص في الديوان ليُعزّز فكرة الاغتراب، وهو جوهر تجربة مهيار الشعرية. - التناص مع التراث: إعادة الكتابة النقدية
يمتلئ الديوان بإشارات إلى التراث العربي والإسلامي، لكنه لا يستعيده كما هو، بل يقرأه قراءة نقدية. فالشاعر لا يكتفي بالاقتباس، بل يفكك النصوص التراثية ويعيد تركيبها لخلق خطاب شعري جديد.
«قرأتُ القرآن كقصيدة،
فصرتُ أقرأ التاريخ من جديد»
وفي نص آخر:
«كسرتُ قناع النبيّ،
ورميتُ المزامير في البحر،
ورقصتُ على طبلٍ مكسورٍ
لأعلن أني البداية»
هذه الكلمات تكشف عن إرادة تفكيك التراث، وتجاوز السلطة الدينية والسياسية، لفتح فضاء لأسطورة شعرية مغايرة. النص هنا ليس إعلانًا شعريًا فحسب، بل بيانًا وجوديًا: رفض كل ما يقيد الهوية والمعنى، واستبداله بولادة دائمة. - الغربة والاغتراب: موت الذات وبعثها
الغربة في «أغاني مهيار الدمشقي» ليست غربة مكانية فحسب، بل غربة وجودية: انقطاع عن الذات السابقة، وانطلاق نحو ذات أخرى.
«لقد خسرتُ اسمي،
فأصبحتُ الصوت الذي لا يعرف صوته،
والظل الذي لا يعود إلى مكانه»
هذا النص يلخّص رؤية أدونيس لمفهوم الغربة: الفقدان كمقدّم للخلق. الغربة هنا ليست معاناة فقط، بل هي شرط لتجديد الشعر والذات. - الأسطورة والكونية: النص كعالم ميتافيزيقي
الرمزية الكونية في الديوان تجعل النص مساحة للتحوّل الأسطوري.
«أنا الحجرُ الذي يغنّي،
أنا النارُ التي تُمطرُ،
أنا البحرُ الذي يبتكرُ مياههُ»
هذا المقطع يعبر عن التحول الكوني، حيث يتماهى الشاعر مع عناصر الطبيعة، وتصبح الذات الشعرية جزءًا من فعل الخلق. الرمز هنا ليس مجرد صورة جمالية، بل فلسفة وجودية تعكس إيمان أدونيس بقدرة الشعر على إعادة خلق العالم. - الثورة على السلطة: الشعر كموقف
أحد أبرز مضامين الديوان هو الثورة على السلطة، ليس بالمعنى السياسي المباشر فحسب، بل بالمعنى الروحي والفكري.
«أُعلن أني غريبٌ،
وأن الغريبَ هو الملك.
أُعلن أني يتيمٌ،
وأن اليتيمَ هو النبيّ.»
بهذه الكلمات، يتحول الهامش إلى مركز، والغربة إلى هوية، والتمرّد إلى فعل إبداعي. هذا النص يقدم رؤية جديدة للحرية، حيث تصبح الغربة واليتيمية رمزًا للولادة الشعرية الجديدة. - الأسلوب الشعري: لغة الانفجار والتفكيك
أسلوب أدونيس في الديوان يتسم بالتفكيك، التكرار الرمزي، واللغة التصويرية المكثفة. هذه الخصائص تجعل من النصوص طقوسًا شعرية تتجاوز السرد والوصف إلى فعل وجودي.
«أنا الحجرُ الذي يغنّي،
أنا النارُ التي تُمطرُ،
أنا البحرُ الذي يبتكرُ مياههُ»
هذه العبارة هي مثال على اللغة التصويرية التي تمثل التحوّل المستمر. - مقارنة مع أقنعة شعرية عالمية
يمكن مقارنة تجربة مهيار الدمشقي بما فعله شعراء عالميون مثل:
توماس إليوت (The Waste Land) الذي استخدم تعددية الأصوات وأقنعة شعرية لخلق نص متعدد المستويات.
رامبو الذي وظف الأقنعة الشعرية كوسيلة للهروب إلى عالم أسطوري.
ويليام بليك الذي وظف الرمزية الأسطورية لصياغة رؤية كونية.
لكن مهيار الدمشقي يختلف لأنه ليس مجرد قناع فني، بل مشروع شعري وفلسفي شامل يمزج النقد والتأويل والخلق الشعري في إطار واحد. - الأثر الأدبي والفكري
«أغاني مهيار الدمشقي» أثّر في الشعر العربي الحديث ليس فقط كلغة جديدة، بل كمشروع ثقافي وفكري. فتح المجال أمام جيل من الشعراء للبحث عن هوية جديدة للشعر، هوية تتجاوز حدود الشكل التقليدي، وتدمج الشعر بالفلسفة والسياسة. - الخاتمة
«أغاني مهيار الدمشقي» هو كتاب ثورة في القصيدة العربية، حيث يصبح الشاعر رحّالًا أسطوريًا، يفتح بوابة إلى عالم جديد. هو كتاب يعلّمنا أن الشعر ليس وصفًا، بل خلقٌ مستمر، وأن الثورة الشعرية هي فعل ولادة لا ينتهي.




