حادث سير وحادث ثقافة

يوسف طراد*
حادث سير وحادث ثقافة
على مستديرة الوطن الكبرى، اصطدمت سيارة بشاحنة، هرعت سيارات الإسعاف لإسعاف المصابين ونقل الجرحى، ثمّ رُفعت الآليّات عن الطريق بعد تحديد المسؤوليّات.
وفي فضاء الوطن الفسيح، اصطدم كتابان، ونزفت صفحاتهما على أرض بورٍ تدعى “المجتمع الثقافيّ”. فحاول بعض المسعفين المثقّفين المخلصين للوطن أن يوقفوا النزيف، لكنّ الحروف أبت أن تستجيب. فكان أذا التقط أحدهم حرف الذال لإعادته إلى النص، ضاعت النقطة في التراب، وتغيّر المعنى. وأبت الألف أن تعود لأوّل الكلمة، لأنّ البعض استعملها عصًا، وقد سُرّت بوظيفتها الجديدة.
فالحروف مطاوعة، تتخذ شكل الفكر الذي يكتبها، كالماء الذي يأخذ شكل الإناء الذي ينزل فيه.
تصارعت الحروف بعد الحادث ولم تتحاور، فكلّ حرفٍ يحشد لمؤلّف الكتاب الذي وُجد فيه. وقد ماتت النصوص في التراب، وهطل المطر، وأشرقت الشمس, ونبتت الأحرف وضاعت المعاني لأنّ الصياغة اختلفت. وكانت النباتات معوّقة، لأنّها اشتهت أن تحمل ثمارًا مختلفة عن ثمرتها الأصليّة.
وتحضرنا هنا الآية التي وردت في إنجيل لوقا:
(لو: 6، 44): فإنّهم لا يجتنون من الشوك تينًا، ولا يقطفون من العليق عنبًا.”
واستمرّت حوادث السير على طرقات الوطن، لأسباب معلومة، لكن الحوادث الثقافيّة انتفت، فكلّ سنة يخرج من أفران المطابع آلاف الكتب ولا من يقرأ. فكيف تصطدم الكتب لتتصارع أو تتحاور، وقد انتقل النقاش عن العيش المشترك السعيد الذكر -على سبيل المثال لا الحصر- إلى وسائل التواصل الاجتماعي؟
فاطمئنّ قلبي، لأنّه لا صدام بين الكتب بعد الآن! فكلّ صفحة من هذه الوسائل تدور في مدار خاصٍ بها، ولا تصطدم مع مثيلاتها إلّا افتراضيًّا.




