أدب وفن

فاتن مرتضى* : «زواجٌ قاصر» لناريمان علوش: وجع الأنثى بين الطفولة والنضج

كتبت الكاتبة والناقدة فاتن مرتضى عن روايتي “زواج قاصر” :



«زواجٌ قاصر» لناريمان علوش: وجع الأنثى بين الطفولة والنضج


​فاتن مرتضى*


​مدخل إلى عالم القصة
​تكتب الأديبة ناريمان علّوش قصّتها «زواجٌ قاصر» برقّة الورد ونضج من خبرت أمور الحياة. تهدي عملها الأدبي إلى كلّ زواجٍ قاصرٍ، وإلى كلّ امرأةٍ تزوّجت قبل أن تنضج أنوثتها، وقبل أن تملك متّسعًا من الطّفولة كي ترقص مع زهرة عبّاد الشّمس، تلك التي ترمز إلى الصّفاء والفرح.
​القصة هي صرخة صامتة في وجه الواقع، حيث تتحوّل الطفولة المبتورة إلى جرحٍ نازف، والأنوثة المغتصبة إلى صمتٍ جميل يحاول أن يُشبه النور.
رمزية العنوان والأسماء
​العنوان «زواجٌ قاصر» يحمل في طيّاته التناقض الموجع بين فعلٍ قانونيّ واجتماعيّ من جهة، وبين غياب النضج النفسيّ والعاطفيّ من جهة أخرى. الزواج هو ارتباطٌ قانونيّ واجتماعيّ، أمّا القاصر فهو من لم يبلغ سنّ الرشد. بهذا التناقض تُعلن الكاتبة مأساة مجتمعٍ يُلبس الطفولة ثوبًا أكبر من عمرها.

​تضعنا القصة أمام سؤالٍ وجوديّ واجتماعيّ: هل يكفي العقد ليصنع زواجًا؟ وهل النضوج الجسديّ يعني النضوج الروحيّ؟

الروائية ناريمان علّوش تحمل روايتها “زواج قاصر ”


​شخصيتا العمل الرئيسيتان:

  • ​تيم: اسمه يعني الوله ومن ذلّله الحبّ، وهو الرجل الذي يقف بين النضج والغرور.
  • ​هاجر: اسمها يرمز إلى زهرة اللّوتس، رمز النقاء المادّي والرّوحي، كما أنّه يحمل دلالة الهجرة، أي الخروج والانتقال من بلدٍ أو حالة إلى أخرى، فيحمل رمزيّة التحوّل والانبعاث.
  • ️ بنية السرد والفصول الأربعة
    ​تتألّف القصة من أربعة فصول، عرف القارئ أحداثها من خلال صوتَي البطلين، كلٌّ من وجهة نظره، في سردٍ مزدوجٍ يعكس التوازي بين الذاكرة والوجدان.
  • ​الفصل الأوّل: بعد أن بلغت هاجر السادسة عشرة، مضت تبحث عن حياتها الخاصة، بينما كانت ملامح الطفولة ما تزال تسكنها. دخلت القفص الزوجيّ لا تعرف من الحياة سوى ما قرأته في الروايات. كان تيم مهووسًا بالترتيب والنظام، ويستشيط غضبًا من فوضويتها الطفولية. كانت الوحدة جليستها الدائمة، تُطعمها وجبة حبٍّ باردة وتمسح عن خدّها قبلة الصقيع.
  • ​الفصل الثاني: بدأت الحرب (تموز 2006) كنقطة تحول. بعد الخوف، بدأ الوعي يتشكل، وحين سُئلت هاجر عن الإنجاب أخفت شرط تيم بعدم الإنجاب. لكن بعد الحرب، أصبح الوجع رحمًا يولد منه الوعي، ووافق تيم على الأمومة قائلاً: “ستكونين أمًّا رائعة”.
  • ​الفصل الثالث: حمل هاجر كان أجمل فترات حياتها، حيث “تفتّحت ورود الشمس في حديقة صباحاتي”. لكنّ غياب تيم المستمر أعاد وحدتها القديمة بثوبٍ جديد رغم إنجابها “رضا”.
  • ​الفصل الرابع: كبر رضا، وازدادت المسافة بين الزوجين. تتكسّر أنوثة هاجر حين يقول لها تيم بجرأة جارحة: “أنتِ فاشلة، لن تتعلّمي أبدًا كيف تكونين زوجةً وأمًّا قديرة كأمّي.” لكنها، بدل أن تنكسر، تنهض إلى الكتابة، لتُطلّق نفسها من وجعها قبل أن تُطلّق تيم.
    البعد النفسي والاجتماعي
    ​القصة واقعية وجدانية نفسية، تُحاكي وجدان القارئ، وتعبّر عن مأزق إنساني عميق: الزواج قبل النضج. تُبرز الكاتبة من خلال تيم وهاجر صراع الأنوثة والرجولة، الحبّ والواجب، الطفولة والمسؤولية، الحرية والقيود. تمثّل الشخصيات فئات اجتماعية تتطوّر مع الزمن، وتتقاطع مع رموز الحرب، الغربة، والأمومة.
    اللغة والأسلوب والصور الفنيّة
    ​لغة ناريمان علّوش مزيج بين النثر والشعر، بين الإحساس الصادق والخيال المبدع. تستخدم الكاتبة الاستعارة والصورة المجازية بإتقان يمنح النصّ طاقة موحية وجاذبية. نقرأ معها:
    ​”رقصت على أصابع أنوثتي، حافيةَ الرّوح.”

​كما تُطعّم السرد بإشارات ثقافية راقية لـ (ليلى الأخيليّة، دوستويفسكي، كافكا، برتراند راسل)، ما يدلّ على خلفية فكرية عميقة وثقافة واسعة.
​الرؤية الفكرية والرسالة الإنسانية
​تضعنا القصة أمام سؤالٍ وجوديّ واجتماعيّ: هل يكفي العقد ليصنع زواجًا؟ وهل النضوج الجسديّ يعني النضوج الروحيّ؟
​تكشف الكاتبة مأساة زواج القاصرات بلغةٍ فنيةٍ تلامس القلب والعقل معًا، وتُضيء على الانتهاك الإنسانيّ لحقّ الطفلة في طفولتها. وتشير الإحصاءات إلى أن نسبة زواج القاصرات تبلغ 21% من عدد الشابات عالميًا، أي ما يقارب 12 مليون فتاة سنويًا تحت سن الثامنة عشرة، مما يؤكد على أهمية الوعي الأسريّ والتعليم لحماية الطفولة.
الخاتمة
​«زواجٌ قاصر» ليست مجرّد قصة، بل تجربة وجودية ونداءٌ إنسانيّ بلسان أنثى نضجت من رماد وجعها. تُعيد ناريمان علوش تشكيل الواقع جمالياً وفق رؤيتها، وتكتب الألم بأنامل الحنين. وهكذا، تبقى هاجر في وجداننا زهرة لوتس خرجت من الطين نحو النور، شاهدة على أن النضج لا يُمنح بالعمر، بل يُكتسب بالوجع والمعرفة.


*كاتبة وناقدة لبنانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى