أدب وفن

تجوال بين سطور ديوان ” نايا ألوان الدهشة ” للشاعر زين الدين ديب

ديوان الشاعر زين الدين ديب ” نايا ألوان الدهشة ” الصادر عن المؤسسة الحديثة للكتاب – لبنان

عدد الصفحات 210

سمية تكجي *

إبحار على متن القصيد يبدأ من الغلاف

أول السفر ابحرت على متن الغلاف الذي تجلى في صورة وجه ملائكي للطفلة نايا (حفيدة الشاعر) فما معنى ان يكون ديوان شعر غلافه الطفولة؟!

بين الشاعر و الطفولة علاقة بأبعاد مختلفة اولها الحب الكبير لحفيدته و لكل شاعر قوة دفع كبيرة في عالمه كي يكتب و لعل اهمها هو الحب، و الأمر الآخر الذي يستدعي منا تأملا مختلفا هو الرؤية و الإستشراف و نستذكر هنا العبارة الشهيرة للشاعر غابرييل سيلايا : الشعر هو السلاح المحشّو بالمستقبل و حضور الطفلة دلالة على امتداد الشاعر و أثره و على المستقبل . و كذلك لأن الشعر و الطفولة يتشاركان صفات و مشاعر و سلوكيات كثيرة : الدهشة، الأسئلة ،الفلسفة،الفطرة النقية ، السحر .و لا يمكن ان يكتب الشعر الا من احتفظ بالطفل في دواخله و الا من اعتراه الحنين إلى مرافىء الطفولة .

تضمن الكتاب كمدخل مطالعة قيمة للدكتور الشاعر رياض عبيد و نص تحت عنوان ” فلسفة الكتابة” للشاعر زين الدين ديب و كذلك دراسة أدبية بحثية نقدية للدكتور مصطفى الحلوة هذه المطالعات شقت دروبا كثيرة الى المعنى و تناولت القصائد بالتحليل و التفكيك و التأويل و هذاطبعا يصعب الطريق على اي كاتب او ناقد او قارىء جيد مهمة الكتابة عن الديوان ، لانه سوف يسأل نفسه : ماذا عساي اضيف ؟

الشاعر زين الدين ديب يكتب بروح مجروحة


في قصائد زين الدين ديب تطالعنا مفردات هي عرف اللغة و المعنى قد تكون في أكثر الأحيان دلالة على الفرح و لكن الكاتب يكتبها بروح شاعر جريح
بروح شاعر يرى في الشمس نورا و ظلالا
و في البحر رعشة الخريف و في الأحلام ذبولا …كما في قصيدة ” احتراق أن تفان “
حين تقرأ القصيدة و كذلك قصائد أخرى و حتى قصائده للمرأة و الحبيبة ستحس بألم الشاعر في حلقه و انفاسه حتى عظامه …!!!ص 56 / قصيدة “ألم العابرين ” : يرسمني الألم بألوان الشحوب ، أركن لجراحي ، أشواكها في عري روحي و يتجلى هذا الأمر في عدد كبير من قصائده

قصائد للمرأة بل قصائد للحياة

يتملك الشاعر ألمٌ ممزوجٌ بخوف و قلق من العمر و الزمن و الأسئلة و أكثر ما يتجلى ذلك في قصائده للمرأة و في قصائده التي تبحث في فلسفة الوجود
ليس من شاعر بمأمن من هذا الشعور و في داخل روح كل شاعر ثمة قاع سحيق بلا قعر يسعى الشاعر الى الغوص المستمر فيه للكشف عن اسراره خباياه و ثمة سماء ثامنة يسعى ان يحلق بها ليطل على الكون .
حضور المرأة بقوة في ديوان الشاعر زين الدين ديب -حيث ان عدد قصائده للمرأة ما يقارب الخمسين – أحيانا يلوذ الشعراء إلى استحضار المرأة حين تتصحر أرضهم و يرتاح ابداعهم . فتكون المرأة هي التي تعيد اشعال الجذوة و هي من تفتح الأبواب الموصدة، و تبث الحياة من جديد
لكن في حالة زين الدين ديب فإن قصائده للمرأة
ليست فقط للمرأة
هي أوسع من حيث المعنى و القصد
فحين نراه يخاطب المراة كعاشق متألم نراه يجوب الكون فيكتب قصيدة يبثها ذاك العشق الشديد الذي نحسه و نحن نقرأ سطور زين الدين ديب لمعشوقته هو ليس عشقا يترك بصمته على الجلد بل على الروح و على كل الحياة لذلك يمكن القول ان قصائده للمرأة هي ايضا قصائد للحياة.لانه يشارك المرأة الحبيبة همومه و هواجسه حول الخيبة ؛ العمر؛ الوجود و الأسئلة الكبيرة

الشعر و الرياضيات تلاحم و إلهام


الشاعر زين الدين ديب استاذ رياضيات انفق من العمر عقودا في تعليم هذه المادة ….

حين يتوصل استاذ الرياضيات الى إرساء معادلة او حل معضلة معقدة ،و حين تأخذ الشاعر سطوة القصيدة فيكتبها ، و تكون لحظة النشوة ، تتشابه برأيي هاتان اللحظتان ؟!
في هذا المضمار لا بأس اذا عدنا قليلا الى الماضي نستذكر شعراء تأثروا بعلم الرياضيات و كان لهم حافزا يساوي منجما من الذهب
إميلي ديكنسون الشاعرة الأمريكية كانت تقرأ كتب الرياضيات التي شكلت مصدرا لإلهامها و في نصوصها دلالات واضحة عن ذلك الإلهام
و كذلك Edna St Vincent Millay
التي كتبت عام 1922 قصائد متأثرة بتأملات إقليدس و قالت ان إقليدس يجيد رؤية ” الجمال عاريا ” فهل هذا هو حال شاعرنا ؟
في قصائد زين الدين ديب محاولة لاستنباط الخفي من المنظور كما يحصل تماما في مادة الرياضيات مثالا على ذلك في قصيدة ” أوتدرين ما هو العشق ” يستنبط الشاعر معنى العشق من وميض يتسرب من شقوق الغيب
و كذلك محاولة لرؤية الاشياء بطريقة مختلفة فيوظف الشاعر هذا الأسلوب من اجل الإيحاء بشيء آخر و هذا ايضا يحصل في علم الرياضيات .
بين المنطق في الرياضيات و اللامنطق في الشعر …و بين الموضوعي في الرياضيات و حمّال الأوجه في الشعر أحيانا.يستوطن الشعر و الرياضيات في مملكة الأحلام و الإلهام

مبارك للشاعر زين الدين ديب و الى المزيد من الإنجاز و العطاء.

*شاعرة و قاصّة لبنانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى