أدب وفن

قراءة في البنية الرمزية وتمثّلات الذاكرة في لوحة (صباح الخير مسيو غوغان) لبول غوغان

ابراهيم البهرزي*

قراءة في البنية الرمزية وتمثّلات الذاكرة في لوحة (صباح الخير مسيو غوغان) لبول غوغان

تشكّل هذه اللوحة لغوغان والتي رافقتني بصريًا لأكثر من أربعة عقود نموذجًا دالًا على قدرة الصورة الفنية على تجاوز وظيفتها التمثيلية لتغدو وسيطًا للذاكرة وتحوّلات الوعي الفردي.
وما يدفعني إلى إعادة قراءتها اليوم، في سياقٍ تحليليّ، هو أنّ علاقتي بها لم تنشأ من الإعجاب الجمالي وحده، بل تأسست على تماسٍ عميق بين معمارها التصويري وتجربتي الشخصية في زمن الحرب، حين كانت مشاهد “العودة” ولا سيما عودة المتأخرين عن إجازاتهم بسبب المعارك الكبيرة تطرح سؤالًا دائمًا حول الهوية واهتزاز الانتماء بعد الغياب.

منذ اللحظة الأولى التي رأيتُ فيها هذه اللوحة، في مجلة تعنى بالفن التشكيلي اوائل الثمانينات لاحت لي كأنها تستبطن معنى “العودة الناقصة”: رجلٌ يقف أمام سور خشبي،وامرأةٌ تقف على مقربة، تجمعها به مسافة تتّسع وتضيق بحسب نظرة المتلقي. هذا المشهد، ببساطته الظاهرية، كان يستدعي لديّ صورة الجندي العائد من الغياب، ذلك الذي يعود ولا يعود معه الزمن الذي ضاع منه ، الجندي العائد فجرا لمنزله وقد تغيرت سحنته من أهوال ما عاشه . في سنوات الحرب، وحين كنت جنديًا، كانت هذه الصورة تتكرر أمامي، وتتحول إلى بنية عاطفية راسخة؛ وهو ما جعل اللوحة تتخذ في ذاكرتي وظيفةً تتجاوز التذوّق الفني إلى استعادة سؤال وجودي حول التحوّل الإنساني بعد الصدمات.

تنتمي اللوحة إلى مرحلة بلغ فيها غوغان طورًا متقدّمًا من ممارسته الرمزية، حيث اتجه إلى تحرير اللون من وظيفته الوصفية لصالح وظيفة دلالية. فاللون هنا ليس عنصرًا مساعدًا للبناء الشكلي، بل هو الحامل الأساسي للمعنى.
الأزرق الداكن الذي يغمر السماء ليس توصيفًا لطقس، بل طاقة انفعالية مشحونة بثقلٍ نفسي.
والأصفر الممتدّ في عمق المشهد يمثّل اتساعًا وجوديًا لا يخضع للمنظور التقليدي، بل يفتح المجال أمام قراءة تعتمد على الإيحاء لا على المحاكاة..
الأخضر الذي يتوزّع على سطح الأرض يعمل كجسر بصري يصل بين الشخصيّتين وبين فضائهما الطبيعي.
يحتل السور الخشبي موقعًا محوريًا في هذا البناء، فهو ليس عنصرًا معمارياً عرضيًا، بل علامة دلالية تُحيل إلى الحدّ الفاصل بين الداخل والخارج، بين الذات والآخر، وبين الذاكرة وما يستعصي على التذكّر. وبذلك يتحول العنصر المادي إلى بنية رمزية تسهم في إنتاج التوتر الصامت الذي يميّز اللوحة.

تكشف هذه اللوحة عن قابلية عالية لإعادة التأويل، وهي خاصية ملازمة للأعمال التي تُشيّد معناها تدريجيًا عبر الزمن. فما زلتُ أراها حتى اليوم عملًا يعيد ترتيب خبرتي البصرية كلّما عدت إليه.وقد قادني هذا إلى ما يمكن تسميته بـ “التلقي المتحوّل”؛ وهو تلقي تتغير بنيته باستمرار نتيجة تغيّر الوعي الفردي، بحيث لا يبقى العمل الفني ثابتًا في معناه، بل يصبح مرآة لديناميات داخلية تتبدّل عبر الزمن.

وهذه السمة، في سياق اللوحة، لا يمكن فصلها عن طبيعة عمل غوغان نفسه. إذ يتعامل هذا الفنان مع المشهد الريفي لا بوصفه طبيعة جغرافيًة بل بوصفه بناءً دلاليًا يسمح له بحفْر المعنى في اللون، واستبدال الواقعية المرئية بما يمكن تسميته بـ“الواقعية المتخيّلة”. الأمر الذي يجعل اللوحة قادرة على احتضان مستويات متعددة من التلقي، بين الشعوري والرمزي، وبين الذاتي والموضوعي.

تقدّم اللوحة في إطارها التاريخي والفني مثالًا على التوجّه الرمزي في الرسم الأوروبي أواخر القرن التاسع عشر، لكنها، في إطار علاقتي الشخصية بها، تقدّم ما هو أبعد: نصًا بصريًا مفتوحًا يعيد تشكيل أسئلتي حول الغياب والعودة والهويّة. إنّ استمرار تأثيرها عبر أربعة عقود يؤكد لي أنّ القيمة الجمالية للعمل الفني لا تتأسس على جمالياته الشكلية وحدها، بل على قدرته على أن يصبح وسيطًا للذاكرة ومرآة لتحولات الذات.

وبذلك تُظهر اللوحة قدرة الفن على أن يتجاوز موقعه بوصفه «مادة للعرض» ليغدو «مادة للوعي»، أي نصًا يعيش في الزمن الشخصي للمتلقي كما يعيش في تاريخه الفني. وهذا ما يجعلها، بالنسبة إليّ، واحدةً من أكثر التجارب البصرية تماسكًا في سيرتي الذوقية وسيرتي الشعورية .

*شاعر كاتب و مهندس استشاري عراقي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى