قراءة في رواية “جحيم السّماء” لجوني عواد

قراءة في رواية “جحيم السّماء” لجوني عواد
غاده رسلان الشعراني- سوريا
حفاظاً على طريقتي في استعراض أفكار الرّوايات عادةً، من خلال التّركيز على ما يساهمُ في إعمال العقل، وتحريك كلّ مُتحجّرٍ فيه، أو مُتَصنّم في دواخلنا، ومن باب السّعي الواعي والحثيث دوماً لاستفزاز القارئ، وبلا تقصّد خدشِ روحِه، بما يمسّ تكوينه التّربوي ومعتقداته الموروثة، كما أفكاره المغروسة فيه، أو سعيه في قنواته الخاصّة ضمن محتواه العميق، والممنهج، ولعدم مُحاوَلةٍ أريد معها تقصّد تشويهِ معتقداته، بل حثّه وٕتحفيزه محاورته ذاته، ليقترب منها أكثر، فإنّي وبأمانةٍ بائنة، وصدقٍ عالٍ، أنصح، وَبشدة عدم قراءة هذه الرواية لِمَن لا يمتلكون أو يمتلكن القدرة على فتح آفاق تفكيرهم/ن، وَتفكّرهم/ن، وَاتّساع بصائرهم/ن، لا أنصح أبداً بالقراءة لِكلّ مَن يحكم على الأمور بِعماهٍ مُبيّتٍ في روحه، لا أنصح أبداً كلّ من يتقصّد القراءة بهدف الإساءة أو الإدانة…
عندما تدخل عالم الباحث، والكاتب جوني عواد، في روايته “جحيم السماء” (صادرة عن دار فواصل في بيروت لصاحبها الشاعر نعيم تلحوق)، عليك أنْ تغرزَ أظافرك معه بين السّطور، وَفي عالم المعاني الذي يحاول الغوصَ في جهلنا وتماهينا مع جمودنا، أنْ تقتلعَ شروطك المعهودة في تفاصيل تنامياتك وَتناضجاتك، أنْ تَتناهمَ وَتَتلاذَذَ بِمضغِ كلّ ما يحاول أنْ يقدّمَه لكَ في أطباق كثيرةٍ متنوّعة، وجبات دسمة من العيار الجريء، فهل تطيقُ معه صبراً؟
هي رسائل على سويّات مختلفة، وفي مجالات نعيشها كلّنا على مدار التَجوال في خبايانا، كَباعةٍ مع عرباتٍ مُتخلّعة، وَثيابٍ رثّة، لكنّنا لا، وَلنْ نجرؤ أنْ نفردَ فلسفتَنا الخاصّة على الملأ، أو نعلنَ مطارقَنا التي تحاولُ تحطيمَ أدلجاتنا، وَرفضَ تدجيننا، وَتحديدَ هويّتنا على مستوى الأسرة ابتداءً، ثمّ الانتماء الطّائفيّ وَالمذهبيّ والدينيّ، أو الانتماء الوطنيّ، أو الانتماء الجنسي، وتفضيلاته، لنكتشف مع كاتبنا البحّاثة الذي يَخِزُ أحياناً بِقشّةٍ رفيعةٍ كلّ قيحٍ في جسد الحياة التي نحيا، وأحياناً أخرى بِإبرةٍ خبيرةٍ يغرزُها في لحمنا، عسانا نعلنُ صحوةً ما، نستفيقُ معها بلا تثاؤباتٍ مُمِلَّة وَثقيلة.
ربّما قد روى الكاتبُ حكايةَ جحيمِ سمائنا البليد الذي يسكنُ في عمقِ كلٍّ منّا، أو يتناثرُ في محيطنا الشّاسع العريض كلّه، لِيُعلنَ بِمُبطَناتٍ لم يسعَ لإخفائها عنّا، أنَّ المسكونةَ هذه قد باتتْ جحيمَنا فعلاً، لأنّ من يقود المسار هو شيطانٌ مَريدٌ يدرك تماماً ما يفعل، يخطّط، يدرس خطواته، وينفّذ بنشاطٍ خطير وبديع، أو لأنّنا نحن من سمحنا له أن يقودنا باستلابٍٍ خبراتيٍّ مقيت على مرّ السّنوات والعقود، فاستسلمنا لإرادته، وسمحنا له بتحويلنا لِدجاج بلا أدمغة، ونحن -المغيّبين- نعيشُ هذا التّدجين بِمتعةٍ، وَبِانقيادٍ بليغ، بتنا نحارب كلّ من يحاول نزعَنا منّا بِهدفِ مساندةِ عقولنا وَبصائرنا، فندافع عن ثباتنا العنيد، وباقتدارٍ لا حيادَ عنه، خوفاً، ضعفاً، وَظنّاً أنّ عِندَنا وَتشبّثنا حالة دفاعٍ عن وجودنا، وَحقيقةٍ قد قبضنا عليها ملء جفوننا، مؤكّدين -بغفلةٍ مُبتذَلةٍ لأنفسنا مع كلّ نبضةٍ فينا- أنّ الحروبَ تساندُ في تعنّتنا تجاهنا أكثر، تُفعّل انقساماتنا، وَتُوثّق ازدياد شروخِنا المجتمعية أكثر، ليسهل على القوى العالمية أنْ تُحرّكنا كأحجار شطرنج، لا… بل كَبيادق تتمّ التّضحية بها ليحيا الشّيطان، وَلِنغدو أدواتٍ صفيقةً لِخدمته فقط مُستَسيغين فينا كلّ هذا الجفاف، وَبلا أدنى قرارٍ منٌا يسعفُ أرضنا لِنُكرّس جنّتنا فيها…
روايةّ تسعى نحو تحطيم صنمياتٍ وجوديّة صنعناها بِخمولنا، بِتحييد عقولنا، وَتخدير إنسانيتنا، إذ يضع الكاتب هذي التّفاصيل تحت العدسات المكبّرة أمام أعيننا في حروف صريحة، وفي مواجهات -وليسمح لي أن أصفها- بالمواجهات الوقحة، والتّبجّحات الكيديّة، كما في الدّارج من الأحكام لدى العوام، وَحتماً صريحاً، وَقِحاً، وَببلاغة التّقصّدات بي، أغبطه عليها، رغم العفونة التي تملأ شوارعنا، أرصفتنا، أماكن عملنا، بيوتنا، غرف نومنا، وصالوناتنا، رغم هذا القيء الذي نقذفه على دَرَجات تنفسّنا، وارتجافاتِ نبضنا، وَتصدّعات أرواحنا.
نحتاج هذه الأصوات التي تهدم صروحاً مشروخة لتبني أناشيدَ حبٍّ إنسانيّة، تحرث، تقلب تربة أدمغتنا لتزرع سنابلاً وَزيتوناً، تغرز نصلاً حادّاً في أجسادنا لتشفي، وَتقطف ثمار فطرتنا النّقيّة…
لن أخوض في التّفاصيل، لأنها تحتاج مني لجرأة ربّما تعصفُ بِمتعة طرحها في الرّواية، وَمتعة إبحارٍ خاصّةٍ بكلٍّ منكم/نّ، لذا أتركها لِمَن لديه الشغف، بلا إخضاعات الرّواية، وإغراقها في مستنقعات شروطٍ وأحكام مسبقة.
أكتفي بالقول:
أنّها محاولةٌ مكثّفة لِتحرير عقولنا من أبجديات النّسخ، والطّباعة المُستَسهَلة، ولغاتِ الخمول المُستَساغة، نحو تمرّد واعٍ، بمجهودٍ يقتلعُ التهاباتٍ كامنةً تحت أضراسنا كما في جُدُر قلوبنا، يجتثُّ هذه الأورام المُسرطِنة لإنسانيتنا، فيقول لنا بكل بساطة:
ترياقكم فيكم، اعمِلوا عقولَكم بِفتحِ مغاليقها، وبمفاتيحكم/ن أنتم/ن، وطهروا قلوبكم/ن بكثيرٍ من الحبّ…
نقلا عن موقع : كلود ابو شقرا و ميزان الزمان




