أدب وفن

الذكاء الاصطناعي .حين تتحوّل الأداة إلى بديل عن العقل

الذكاء الاصطناعي… حين تتحوّل الأداة إلى بديل عن العقل

الدكتور علي ايوب


لا خلاف اليوم على أن الذكاء الاصطناعي يمثل إحدى أعظم منجزات العصر الرقمي، وقد أحدث تحوّلًا لافتًا في مجالات البحث والتعليم والصناعة والطب. غير أنّ الإشكال لا يكمن في وجود هذه التقنية أو تطورها، بل في الانجراف نحو الاعتماد الكلي عليها بوصفها بديلًا عن العقل البشري، لا أداة مساندة له.
من منظور علمي، يقوم الذكاء الاصطناعي على تحليل كميات هائلة من البيانات، واستخراج أنماط احتمالية منها، ثم تقديم استجابات مبنية على ما هو شائع أو متكرر. لكنه، مهما بلغ تطوره، لا يفكّر ولا يفهم ولا يعي؛ فهو لا يمتلك قصدًا معرفيًا، ولا قدرة على النقد الذاتي، ولا إدراكًا للسياق الإنساني والأخلاقي الذي تُنتَج فيه المعرفة.
وتشير دراسات حديثة في علوم الإدراك والتربية إلى أن الإفراط في الاعتماد على الأنظمة الذكية يؤدي إلى تراجع مهارات التفكير النقدي والتحليل العميق لدى الأفراد، خاصة في البيئات التعليمية. فالإنسان الذي يعتاد تلقّي الإجابات الجاهزة، يفقد تدريجيًا مهارة طرح الأسئلة، وهي جوهر العلم ومنطلق الإبداع.
كما أن الذكاء الاصطناعي، بطبيعته، يعيد إنتاج المعرفة السائدة ولا يبتكر معرفة جديدة بالمعنى الفلسفي الدقيق؛ إذ لا يملك خيالًا إنسانيًا، ولا تجربة وجودية، ولا حسًّا قيميًا يوازن بين الصواب والخطأ خارج منطق الاحتمالات. ولهذا فإن تسليمه زمام القرار في مجالات حساسة — كالتعليم، والإعلام، والقضاء، والتوجيه الفكري — يحمل مخاطر علمية وأخلاقية لا يمكن تجاهلها.
إن أخطر ما في الاعتماد الكلي على الذكاء الاصطناعي هو تعطيل العقل البشري لا تطويره، وتحويل الإنسان من منتج للمعرفة إلى مستهلك لها، ومن فاعل ناقد إلى متلقٍّ سلبي. فالتقنية التي لا تُضبط بوعي إنساني قد تتحول من نعمة إلى نقمة، ومن وسيلة للارتقاء إلى سبب للضمور الفكري.
والمسؤولية.
فلا مهرب اليوم من حقيقة أن الذكاء الاصطناعي صار جزءًا أصيلًا من واقعنا، وأن وتيرة تطوره تتسارع على نحو لافت في المدرسة والجامعة والمؤسسة، بل وفي تفاصيل حياتنا اليومية كافة. ومن ثمّ، فإن الحكمة لا تكمن في الاصطدام بهذه التقنية أو إنكارها، بل في مواكبة العصر وتسخير أدواته لمصلحتنا؛ إذ إن من يرفض التطور جملةً وتفصيلًا يخاطر بأن يتجاوزه الزمن، فيمضي العالم قدمًا بينما يبقى هو أسير مكانه.
غير أن هذه المواكبة لا تعني التسليم الكامل ولا التفويض المطلق. فالطالب، حين يُطلب منه تعبير كتابي، ينبغي أن يُدرك أن الذكاء الاصطناعي — مهما بلغ — ليس صالحًا لتمثيل المشاعر الإنسانية، ولا لالتقاط خلجات الصدر، ولا لصياغة النصوص الإبداعية الصادقة. بل يجب أن يُقال له بوضوح: إنك تكتب أصدق وأعمق منه حين تستند إلى تجربتك ووجدانك، وإن هذه الأدوات لا تخلو — في كثير من الأحيان — من أخطاء إملائية ونحوية وصرفية، فضلًا عن ضعف الحس الأسلوبي.
وقد ينجح الذكاء الاصطناعي أحيانًا في إعداد بحث أو جمع معلومات من مصادر متفرقة، لكنه يظل عملًا تجميعيًا لا يرقى إلى البحث المتكامل، ولا يغني عن دور الإنسان في التحليل والبناء والاستنتاج. فهو يختصر وقتًا، ويوفر جهدًا ومالًا، ويفتح آفاقًا معرفية واسعة، لكن القيمة الحقيقية تنشأ حين يبني المتعلم على ما يقدّمه، ويُكمله بأسلوبه الخاص، وبصمته الفكرية، ورؤيته الشخصية.
ومن هنا تبقى العودة إلى الكتاب، وملامسة الصفحات باليد، والقراءة المتأنية، والتحليل العميق، وطرق الأبواب المعرفية المختلفة، ضرورة لا غنى عنها للوصول إلى الهدف. فالذكاء الاصطناعي قد يكون مساعدًا ذكيًا، أو لافتًا للنظر، أو منبّهًا إلى فكرة، لكنه لا ينبغي أن يكون بديلًا عن الجهد العقلي الإنساني. ولو طُلب منه — على سبيل المثال — كتابة موضوع عن آفة المخدرات، فهل يستطيع أن يقدّم مقالة ذاتية نابضة، أو نصًا إبداعيًا تواصليًا يحمل أثر التجربة وحرارة الشعور؟ هنا تحديدًا تظهر حدود الآلة، وتتجلى قيمة الإنسان.
وخلاصة القول: الذكاء الاصطناعي ضرورة من ضرورات العصر، لكن مكانه الطبيعي هو خدمة العقل لا الحلول محلّه فالتقدم الحقيقي لا يُقاس بذكاء الآلة، بل بقدرة الإنسان على استخدامها دون أن يتنازل عن أعظم ما يملكه: التفكير، والاختيار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى