أدب وفن

حكمت حسن تقرأ في روايةسمارة عطوي “خوخ بري “

اسم الكتاب: الخوخ البري
‎اسم المؤلفة: سمارة عطوي
‎التصنيف: رواية
‎الإصدار: دار نلسن


‎حكمت حسن*

‎العلاقات المرويّة، العلاقات الحرّة والعلاقات الدّائمة، مختصر للرواية النّابضة أبدًا ، المليئة أبدًا والصّادقة دائمًا وأبدًا.
‎وكيف للرّواية أن تكون صادقة؟! أليس ذلك لأنّ الكاتبة أرادت من خلال مضامين حوارات شخصيّاتها أن تكون هي، كما الواقع، متخيَّلة بواقعيّة ،ومتخيِّلة لما يمكن أن يُسمّى صدق المشاعر في العلاقات والعكس يجوز.
‎وكيف للرّواية ألّا تكون مليئة وفيها من الأماكن المعاش فيها ومن خلالها لعاصمتنا بيروت ، أحداث جيل وزمن وقضيّة ونضال .
‎وكيف لها ألّا تتحرّر وهي المبنيّة على حريّة في الفكر وفي التّعبير وفي الأدوار ، فهي لم تبحث عن تنميط مصطنع لتفاعل الشّخصيّات مع بعضها بعضا ، بل تركتها تتحاور وتتلاقى وتحيا تبعا لاتّصالها غير العائلاتيّ ، ففي شقّة تعيش هي وصديقتها، وفي غيرها تختار أن تدمج أنواعًا من الأسر ليست نواتيّة محض ، فالأسرة جاءت نتيجة حياة وليست سببًا واحدًا لتواجد أفراد تحت سقف واحد ، عناصرها أفراد تجمعهم روابط يقال فيها اتّفاقات ضمنيّة وإن كانت غير معلنة جهارًا ، مع ما يتبع ذلك من مشاعر ناتجة عن تضارب الأدوار وتشابكها ، أسر فيها أفراد يحملون الهموم نفسها ، ويتحمّلون بعضهم بعضًا من دون رقابةٍ أو محاسبة ، وهي و إن وجدت فهي تترك هامشًا خاصًّا لكلٍّ منهم يُتيح له الحريّة على ألّا يعرقل مسار حياة الآخر، وهذا يظهر في علاقة دقيقة خاطتها الكاتبة على مدار الرّواية كاملة، وهي علاقة نجمة علي يزبك، وقد أوصلتنا إلى نهاية لا تشي بالنّهاية بل هي استمرارٌ لحبٍّ لا يُراد له أن يذوي ، ولا بدّ من إبقائه بحالته الّتي كانت فلا يُجَرّ رغمًا عنه وإن بدا ذلك قاسيًا ومجحفًا بحقّهما الاثنين معًا. وفي علاقة عتاب وأمين أيضًا .
‎ولا بدّ أن نذكر ارتباط كلّ شخصيّة من الشّخصيّات المتنوّعة بالمكان والدّور والظّرف السّياسيّ الّذي حتّم على نجمة اختيار البقاء في بيروت ، فليس بالحبّ وحده يحيا الإنسان بل بالمدينة والتّاريخ والشّعور والقرار والإرادة والخيار. شخصيّات سمارة تختار حتّى لو لم يكن خيارها هو المتوقّع في نظرنا كقرّاء، هي لا تُجمّل الواقع ولا تقوده ،فلا صح ولا خطأ هنا، بل المخرج الأنسب ولنقل اللّاكتماليّ، كما البشر هم أشخاصا غير مثاليّين لكنّهم أحياء ، يعيش كلّ منهم لنفسه ولذاته ومرجعه الفكريّ غير أنّ الحبّ يغلب المنطق أحيانًا كما في حالة داليدا وجوّ.
‎تكاد تكون الرّواية مسرحًا لأسر متحوّلة نتيجة تقاطع ظروف سياسيّة واجتماعيّة وتحرّريّة عبّرت عنها الكاتبة بالرّمز كالبّيريه والشّارة كدلالة على الالتزام لدى نجمة وإعلانها للانتماء إلى الحزب الشّيوعيّ. وهذه الأسر تتشكّل تبعًا للظّرف وتكون تشكيلاتها معلنة لأعضائها ، فترى أنواعًا من الأسر حيث تتضمّن إحداها ابنة لأسير وأختها ابنة لأخ هذا الأسير الّذي كان قد اعتبر ميتًا، وغيرها تعيش في كنف أبٍ ليس هو الأب البيولوجيّ لها ، ونرى إشارة إلى المثليّين من دون أحكام او تنظير ، فهي لا توحي برأيها الصّريح الموافق أو غير الموافق على هذا الجانب ممّن تتقاسم معه حيّز البيت ، في حين أنّها تعشق آخر، وأخرى لفتاة ملتزمة بأفكار شيوعيّة بينما زوجها وليس والد طفلها ملتزم دينيًا، ونسأل كيف لهذه الأُسر أن تستمر وتتآلف لو لم تكن الارتباطات صريحة وكيف وكيف؟
‎بيروت ، تلك المدينة / المكان ، تمتزج وشخصيّات الرّواية وتتطابق لكأنّ كلًّا منها جزءًا من الأخرى ، فهي نسيج من الذّاكرة المكانيّة الأصيلة في تأريخ مسار الأحداث وتقاطعها سياسيًّا ومجتمعيًّا معها، وقد ساهمت في تشكيل وعي الكاتبة والّذي أُسقطَ عمدًا فيها ، ممّا جعلها مدينة حقيقيّة في زمنٍ شهد تفتّحًا على مستويات النّضال كافّة، وما تبعه من أفكار حرّرت الأفراد وربطت مصائرهم بمصير المدينة في عزّ أحداثٍ تركت تأثيرها في مستقبل كان ليكون مجيدًا لو .
‎ تستحقّ هذه الرّواية أن تُدرس انتروبولوجيًّا سياسيًّا مجتمعيًّا فكريًّا . ونستحقّ نحن كقرّاء أن نقرأ لقلم سمارة روايات أخرى ، فلا تبخلي علينا وبنا.
‎شكرا لقلمك سمارة عطوي .



‎حكمت حسن
‎البنيه ٢٦-٢-٢٠٢٦

*شاعرة و ناقدة لبنانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى