أدب وفن

عندما يقتل الشاعر القصيدة !

عندما يقتل الشاعر القصيدة !

أنطوان يزبك*

هل وصلنا إلى زمن إغتيال القصيدة ؟ أجل نحن فيه من عقدين أو أكثر ! و ربّ سائل من اغتالها ؟ والجواب بكل بساطة هو :
الشاعر / الشاعرة ، هما من نفّذ الجريمة النكراء ، و ارتكبا فعل القتل ولم يرفّ لهما جفنٌ ، كيف حصل ذلك ؟ حصل ما حصل من دون خوف ولا وجل ، بسبب النرجسيّة المفرطة لدى الشعراء ، و أيضا بسبب لوثة الإستهلاك وحمّى المنافسة ، و جنون السوشيال ميديا و لزوم ما لا يلزم …
ما حصل هو سقوط مدوّ في لجّة الإفراط في الكتابة اليوميّة وكأنّ الشعر هو فريضة دينيّة يومية مثل الصلاة أو واجب ضروري علينا إنجازهما !
ولأجل هذه الفريضة استمات الشعراء و نفذوا هجوما تكتيكيا ، على القصائد واستهلكوها كما أمعنوا فيها تفكيكا و تركيبا كما الأطفال وهم يلهُون يأحاجي البازل puzzle حتى بتنا نخوض في مستنقعات سبخة من التيه والضياع والجهل و ” اللا فهم” والثرثرة العبثية من دون معنى .
يقول الروائي الكبير “ميلان كونديرا ” :
” يبدو أنّه يوجد في الدماغ منطقة معيّنة نستطيع أن نطلق عليها لقب [ الذاكرة الشعريّة] بإمكانها أن تُسجّل ما يسحرنا ويؤثر فينا وكل ما يعطي حياتنا جمالها “.
ما يقوله كونديرا إن دلّ على شيء فهو يدلّ على أن الشعر هو عامل مهمّ للغاية موجود في جيناتنا ، فكيف يقتل الشاعر جيناته و يقضي عليها ؟
نخاله يحرق القصيدة كما لو كانت سلعة يعمد الى (قتلها قتلا ) كذا ، من شدّة الإستهلاك وهو يتعفّف حينا وفي حين آخر يرغي و يزبد ، وهو في الحقيقة يحرق ذاته !
يقول الكبير أدونيس ، في فيديو مقابلة صحفية :
“ما دام الموت موجودا فلن يموت الحبّ وما دام الحبّ والموت موجودين ، فلن يموت الشعر أبدا هنالك شعراء أينما ذهبت المهم هو المستوى لأن التراث الشعري هائل عمره 4000 سنة إن أوّل قصيدة مكتوبة هي قصيدة سومريّة تعود لامرأة تدعى إنهدوانا كاهنة الإلهة إنانا ” .
ما تفضّل به أدونيس في هذا القول ، بالغ الأهميّة و أفضل ما يمكن أن يقال في تحديد الشعر ؛ الشعر على صعيد الفكر والأدب ، مرتبط بالحياة والموت والوجود والحبّ .
الشعر لن يموت أبدا ما دام الإنسان موجودا فعدد الشعراء كبير جدا و الشعر مرتبط بتراث شعري هائل وعظيم يعود الى آلاف السنين ، هو مقدّس لأنه وُجد من أجل تمجيد الآلهة.
هذا القول يكفي كي يتهيّب كل من ينوي أن يكتب الشعر و ينضوي في عالم القصائد الرحب .
على الشاعر أن يشقى كثيرا لكي يصل الى مرتبة سامية في عالم الشعر ، كيما يستحقّ لقبه عن جدارة .
في فيلم Dead Poets Society (جمعية الشعراء الأموات) يقول أستاذ الأدب لتلاميذه [ لعب الدور الممثل الراحل روبين ويليامز ] :
لا نقرأ ونكتب الشعر لأنّه جميل نقرأ ونكتب الشعر لأننا جزء من الجنس البشريّ والجنس البشريّ مجبول بالشغف . أمّا الطب والحقوق والتجارة والهندسة و سائر العلوم والمهارات الأخرى ، فهي مهارات مهمّة ، من أجل استمرارية الحياة .لكن الشعر يمثّل الجمال والرومانسيّة والحب وهذه القيم هي التي نبقى على قيد الحياة من أجلها .
أما المقصود في حوارات هذا الفيلم فهو إبراز قيمة الإنسان و قيمة الشعر في حياته ، فالإنسان لا يمرّ على هذه الحياة مرور الكرام بل يحتاج الى الشعر كي يغذّي روحه و ثقافته وفكره من أجل اتّزانه النفسي و ديمومته البشرية وصحّة عقله .
عسى أن تكون هذه الشواهد ، قبسا من نور و هداية للشعراء حتى يتوقفوا عن اغتيال القصائد من خلال غزارة الإنتاج من دون نوعيّة عالية ، وحتى لا يقضوا على قصَائدهم و قصائد شعراء غيرهم بأنفسهم ، بفعل الشبهة والشك والكيد والغيرة كما فعل عطيل مع دسديمونا في مسرحية شكسبير ، و هاكم ما حصل :

دسديمونا هي إبنة برابانتيو، عضو مجلس الشيوخ في مدينة البندقية وهي متزوجة سرًا من عطيل ، القائد المغربي صاحب البشرة الداكنة ، تتمتع دسديمونا بشخصية قويّة الإرادة ومستقلة.
على الرغم الحب الكبير بينهما غيرة عطيل تأخذه إلى مأساة فظيعة ، غيرة جامحة غذّاها خداع ياجو الذي أوهم عطيل أن دسديمونا غير مخلصة، مستغلًا نقاط الضعف في شخصية عطيل و ريبته المريضة . فكانت النهاية المأساوية :
عطيل يخنق دسديمونا فتموت وهي تردّد حبها له .
آمل أن لا يتحول الشاعر ( أي شاعر كان ) إلى عطيل و تصبح القصيدة دسديمونا شهيدة أخرى !!

*كاتب و باحث لبناني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى