أدب وفن

الحي القديم / قصة قصيرة/ بقلم أ د. درية فرحات

قصة قصيرة

الحي القديم

أعيش في حيّ عُرف بجماله وهدوئه، وتنوّع أشكال الطّبيعة فيه، وتميّز بتنوّعه في كل شيء، باختلاف مشارب أبنائه، وبطريقة تفكيرهم، قد يصحّ القول فيه إنّه يجمع التناقضات والأضداد، جمع كل اختلافات العالم الكبير وتبايناته في حيّز صغير.
لكن مع ذلك سادت الألفة بين أبنائه، لكلّ منهم ما يبتغي، والقانون السّائد هو حريتي تنتهي مع تجاوز حريّة الآخرين، وكانت لكل امرئ أحلامه، وقد تكبر المخطّطات بحثًا عن صورة المستقبل لهذا الحيّ، وكم سهرت مع جاريّ نتحاور ونتبادل الآراء، وقد نختلف في تحديد الصّيغة التي نريدها لحيّنا الكبير وحيّنا الأصغر، وإذا وصلنا إلى مأزق كبير نعود إلى مثلنا الشّعبيّ “يا جاري إنت بدارك وأنا بداري”، وهكذا يرتاح كلّ منّا، طالما أنّ كلّ واحد منا يهندس بيته الخاص على هواه، ونحافظ على وحدة العيش في الأمور المشتركة.
وفي ليلة سيطر عليها جوّ شتائيّ بعواصفه الهوجاء، هبّت على الحيّ ككائنٍ هائجٍ فقد صوابه، تعوي الرّياح في أزقّته الضيّقة كذئابٍ جائعة، وتصفع النّوافذ بعنفٍ كأنّها تستغيث أو تتوعّد. تراقصت الأشجار تحت وطأة العاصفة، أغصانها ترتجف وتتشابك كأذرعٍ مذعورة، فيما كانت الأمطار تنهمر مدرارًا، تضرب الأسطح والأرصفة بإيقاعٍ صاخبٍ لا يهدأ. أطفأت العتمة معالم المكان، فلم يبقَ سوى ومضات البرق تشقّ السّماء كشقوقٍ من نورٍ خاطف، تكشف للحظةٍ وجوه البيوت المرتعشة قبل أن تبتلعها الظّلمة من جديد. في تلك اللّيلة، بدا الحيّ كأنّه جزيرة صغيرة في بحرٍ غاضب، يتماسك بصمتٍ، ينتظر أن تنقضي ثورة الطّبيعة ويعود إلى سكينته الأولى.
هذه السّكينة أصبحت شغلنا الشّاغل، فقد تزعزت أركانها، بعد أن اكتشفنا عن محاولات للهجوم على الحيّ من لصّ عابر لا هويّة له ولا جذور ولا انتماء، يبحث عن مكان يغتصبه مسكنًا له، ودخل الحيّ في متاهة جديدة وهي الحفاظ على كينونتنا ووجودنا، واستمرت محاولات اللّص في الهجوم.
وكما كان النّهج الذي تعوّدنا عليه، فانطلقنا نتبادل الرأي في مواجهة هذا الاعتداء الذي تربّص في أطراف الحي، وتناحرنا واختلفنا، ولم نصل إلى حلّ يرضي جميع الأطراف، فلم يكن أمامنا إلّا أن نسير وفق نهجنا المعتاد.
وهكذا تحصّن كل واحد منا في صومعته، وأخذ يخطّط بطريقة الاحتماء من هذا اللّص الذي لم يكلْ ولم يهمد في تكرار غزواته، وتحوّل حيّنا إلى درة مكنونة يبحث عن خيراتها ليغنم منها.
وكنت أوّل من اتّخذ قراره، بعد تفكير وتمحيص، وجدت فيها أنّ الإنسان يعيش مرّة واحدة، فما لي ولهذا الصّراع، وأرض الله واسعة تناديني لأغرف منها ثروات، فحملت مدّخراتي العلميّة والماديّة وقررت الهجرة إلى بلد أجد فيه الأمان والاطمئنان والحماية، وأحقّق فيه ما أريد لنسلي ولعائلتي، وأبلغت جاريّ بالأمر، فرضي أحدهما بالأمر ورفض الآخر، محاولًا إقناعي بأنّ البيت عرض لا يُترك، فقلت له وما قيمة هذا العرض إذا لم أستطع أن أحميه وأن أشعر بالأمان.
ووفق النّهج الذي نتّبعه، فسرت وفق قراري، وعرضت عليهم بيع البيت، أو تركه أمانة في أعناقهما، تجري به الأيام كما سيجري على بيتهما.
وغادرت والأسى يرافقني، وأحمل الشّوق والحنين لمرابع عشقتها، لكنّ حياة الاستقرار والأمان في بلاد بعيدة أنستني في كثير من الأحيان هذه المرابع، وأضعفت الحنين في مهجتي، إلّا في مرات كانت تلحّ على قلبي، فأبحث عن خبر يصلني عن الحيّ القديم، لأعرف أنّ اللصّ ما زال يشنّ هجماته على الحيّ، يتركه أحيانًا، ويعود إليه حينًا آخر. وقادني الفضول لأعرف ما أصاب جاريّ، أو ربما إحساس أنّ لي أملاكًا تركتها قد تزيد من ثروتي، وقد تكون كنزًا مخبئًا للمستقبل في حال تبدل الأحوال.
أمّا جاريّ فقد اتّخذ كلّ منهما سبيلًا مختلفًا في التّعامل مع هذا اللّص، الجار الأوّل قرّر مواجهته وحمل السّلاح في وجهه، ورفض أن يترك بيته حتى لو قدّم التّضحيات الغالية، فراح أبناؤه فداء لحمايته، وتعرّض بيته للهدم مرارًا، فكان يعيد البناء ويواجه، وعندما تشتد الأزمة كان يرتضي أن يعيش على ركام بيته في خيمة، وسلاحه بيده، لكنّ الفرحة والعزّة كانتا رفيقتي دربه، والشّعور بالقوّة، لأنّه يدرك أنّ هذا اللّص سيحسب ألف حساب قبل معاودة الهجوم، وظلّ الأمل يغمر قلبه في أن يتخلّص يومًا ما من هذا اللّصّ اللئيم.
أمّا الجار الثّاني فرأى أنّ المهادنة والمحاورة مع هذا اللّص أسلم، فحمى بيته من الهدم، ولم يفقد أي ضحيّة للحفاظ على ما يملك. وظلّ يعيش في بيته، والخوف محيط به، والرّعب هاجس يرادوه كلّما تنقّل من مكان إلى آخر، فهذه المهادنة لن تحميه إذا استشرس هذا اللّص، وغدر بالتّحالفات، كما أنّه خاضع لشروط هذا اللّص، فلم يكن بيده أي ورقة ضغط سوى أنّ قوّته بضعفه.
وظلّ هذا الحيّ القديم على حاله، وعلى الشّريعة التي سار عليها أبناؤه، يورثونها لمن بعدهم من الأبناء.

11 نيسان 2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى