تاريخية الصيام عند الشعوب

الدكتور محمد مسلم جمعة
تاريخية الصيام عند الشعوب :
تعود تأدية فريضة الصوم الى الديانات الدينية القديمة ولا زالت موجودة حتى الآن ولها معتنقون كالديانة الهندية البرهمية، حيث يقيم أتباع هذه الديانة بعيداً مخصصاً للصوم الذي ينصرف الصائمون الى تزكية النفس، بحيث تخصص كل طائفة من الطوائف الهندكية يومًا للصوم فيه، فيسهرون طوال الليل يتلون الكتب المقدسة. وتنفرد النساء بصيام أيام، وأطلق على هذا الصيام (برت) أو (العهد) والتي تخصص لتزكية الروح وتغذيتها بالغذاء الروحاني. كما يصوم البراهمة اليوم الحادي عشر والثاني عشر من الشهر الهندي، وبهذا يبلغ عدد الأيام التي يصومها معتنقو هذه الديانة الهندية أربعة وعشرون يوماً في السنة.
أما في الديانة الجينية الهندية، يمارس هذا الطقس بطريقة صارمة ومدة الصيام عند أتباع الديانة الجينية الهندية أربعين يومًا .
كما مورس الصيام من قبل المصريين القدامى والهدف هو التقرب من الآلهة للحيازة على رضاها وشكرها في الاحتفال بالأعياد كعيد الحصاد والربيع وعلم عن قدامى المصريين أنهم كانوا يمارسون صياماً عن كل شيء ما عدا الماء والخضروات و لمدة سبعين يومًا.
أما قدماء الفرس والأكراد (الزرادشتية والأيزيدية) التي ظهرت في بلاد فارس منذ الألف الثالث قبل الميلاد، اليوم ينتشر أتباع هذه الديانة في العراق وسوريا وتركيا وإيران والهند وأفغانستان وأذربيجان وغيرها .
في الزرادشتية يُحرّم الصيام لاعتقادهم بأنه يؤثر سلبًا على العمل وصحة الجسد. أما الأيزيدية فالصيام عندهم مقدس ومدته ثلاثة أيام يبدأ يوم الثلاثاء وينتهي يوم الخميس بحسب تقويمهم. يتوقفون فيه عن الطعام والشراب من شروق الشمس وحتى المغيب، أما رجال الدين فكانوا يصومون الثلاثة أيام بصورة متتالية ويفطرون في يوم يُسمى (عيد ئيزي)، لذلك فالصيام عندهم يُقسم إلى نوعين: صيام العامة وصيام النخبة وهم رجال الدين.
كما ظهرالصيام في بابل،وعرف باسم “شيتو” ولم يكن فرضًا ملزمًا، فكانوا يصومون ثلاثين يومًا متفرقةوفق ماتقطعه الشمس في كل برج من بروجها،فيمتنعون عن الطعام والشراب من شروق الشمس إلى غروبها،.
عُرف الصوم أيضًا عند الصابئة الذين يعرفون الصوم الأكبر، وهدفه الكفّ عن الذنوب، وما نعرفه نحن عن الإمساك عن المطعم والمشرب، فقد جاء عندهم متقطعًا مرتبطًا بمواقيت تشمل العام كله؛ لكي لا يخلو عندهم شهر من هذه الشعيرة. والصيام عندهم مقتصر على الإمساك عن أكل اللحوم، ولهذا حرّم عندهم النحر في أيام الصيام.
وقد عرف الكهنة اليونانييون صومًا يسوده طابع السرية، وقسموها إلى أسرار صغرى في فصل الربيع، وأخرى كبرى تدوم لأربعة أيام لمن حاز الأسرار الكبرى.
وقد تأثر الرومان بصوم اليونانيين، فأصبح صيامهم شبيهًا به؛ فشعيرة الصيام عندهم تمثل شعيرة الامتناع والحرمان الممزوجة بتعاليم مبهمة وضعها الكهّان ليختصوا بها وحدهم
ورد على لسان المتابعين من الفقهاء أنّ أول من صام من البشر أبو الأنبياء آدم عليه السلام، منذ اللحظة التي نزل فيها على ،بعد أن قبل الله توبته . أما النبي الله نوح صام الأيام البيض القمرية وزاد عليها اليوم الذي نجاه الله تعالى فيه من الطوفان، وهذا ما رواه النبي (ص). ونجد الصيام في الديانات السماوية الثلاث بصور مختلفة، وهذا يثبت أن الصيام كان مشرعًا قبل الإسلام مصداقًا لقوله تعالى في سورة البقرة – الآية 183
“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ”
أما اليهود فكان صيامهم آني ومشروطاً وخاصع بحسب اعتقادهم لرضى أو غضب الله عليهم أو إذا حلت بالبلاد نكبة عظيمة أو خطب كبير أو إذا أصيبت البلاد بوباء فتاك،وأحياناً يرتبط صيامهم في حال قيام ملوكهم بمشروع جديد
يصوم اليهودي أيام متفرّقات ترتبط ببعض الأعياد أو ترتبط عندهم بأزمات تمت لهم النجاة منها. واليهودي يصوم أيامًا عدة متفرقة من السنة، أهمها يوم الغفران (يوم كيبور) في شهر أكتوبر، وهو اليوم الذي نزل فيه سيدنا موسى -عليه السلام- من سيناء للمرة الأولى ومعه ألواح الشريعة، ويستمر صيامهم لمدة ست وعشرون وتعتبر أهم الأيام المقدسة ، ويبدأ صيامهم من غروب الشمس وحتى حلول الظلام في اليوم التالي.
كما يصوم اليهود يوم عاشوراء الذي نجى فيه موسى عليه السلام من الغرق.
كما يصوم اليهودي أيامًا تذكره بأحزان جماعة إسرائيل، ومن أهمها التاسع من أغسطس يوم خراب الهيكل الأول والثاني.
كما يصوم اليهود ذكرى اليوم الذي حطم فيه موسى ألواح الشريعة، ودخل فيه بوختنصر إلى المدينة.
عند اليهود صوم آخر غير ملزم لمن لديه أمر يريده أو للتكفير عن الذنوب.
صيام المسيحيين:
للصّوم مكانة كبيرة عند المسيحيين؛ فهو ارتباط روحي بالرب والتزام منهم بتعاليم المسيح منذ نشأته حتى ظهوره ثانيةً كدليل إيمان به. تقوم كل طائفة أو كنيسة بتحديد موعد الصوم لأتباعها، ولم يحدد الإنجيل طريقة أو أوقات محددة للصوم يتبعها المسيحيون في مختلف أنحاء العالم.
الصيام عند المسيحيين يكون بالامتناع عن تناول الطعام مدة أثنتي عشرة ساعة في اليوم على الأقل، وذلك من بداية اليوم وحتى انقضاء المدة، ثم تناول طعام خال من الدسم.
ويشمل الصوم عند المسيحيين صوم يوم الأربعاء، وهو يوم المؤامرة التي انتهت بالقبض على عيسى. وصوم يوم الجمعة؛ لأن المسيح صُلب فيه. وصوم الميلاد وعدد أيامه 43 يومًا تنتهي بعيد الميلاد. والصوم المقدس وعدد أيامه 55 يومًا، وهي عبارة عن الأربعين يومًا التي صامها المسيح مضافًا إليها أسبوعان: الأسبوع الأول منهما قبل الأربعين، ويسمى أسبوع الاستعداد والتهيئة للصوم الأربعيني المقدس، والأسبوع الثاني أسبوع الآلام، ويأتي بعد الأربعين يومًا وينتهي بأحد القيامة، ويمتنع في هذا الصوم أكل لحم الحيوان أو ما يستخرج منه، ويقتصر على أكل البقول. ولا يعقد في أثنائه سر الزواج.
ثم يجيء صيام الرسل وعدد أيامه يزيد وينقص حسب اختلاف الطوائف، وتتراوح مدته بين 15و49. وهناك صوم العذراء ومدته 15 يومًا.
الصيام عند المسلمين
يعود فرض الصيام عند المسلمين الى العام الثاني من الهجرة النبوية ، والصيام عند المسلمين يقتضي الامتناع عن كل الطعام والشراب بداية من وقت الفجر وحتى غروب الشمس، ويكون في شهر رمضان المبارك، وهو الركن الرابع من أركان الإسلام
كما يصوم المسلمون أيامًا أخرى خلال العام مثل ليلة النصف من شعبان والتسع الأوائل من ذي الحجة.
بعد هذه الجولة على الصوم دوافعه والحكمة منه أو فلسفة الصيام والمرتجى منه هو تهذيب النفس وتمثل البعد الانساني والروحي له لا موائد الطعام والمغالاة في ذلك وظاهرة ارتفاع الأسعار ،مما يطال روحية المناسبة وحرفها عن مبتغاها ،




