أدب وفن

كتب البشير عبيد*: حين يصير الوطن قصيدة: محمد الصغير أولاد أحمد وبلاغة التمرّد الهادئ

حين يصير الوطن قصيدة: محمد الصغير أولاد أحمد وبلاغة التمرّد الهادئ

البشير عبيد

لم يكن محمد الصغير أولاد أحمد شاعرًا بالمعنى المألوف للكلمة، بل كان حالة لغوية تعيش على تخوم الاحتجاج، وتكتب من داخل الجرح لا من خارجه. لم يأتِ إلى القصيدة باعتبارها تمرينًا جماليًا خالصًا، بل بوصفها ضرورة أخلاقية، وامتدادًا لقلق وجودي عميق، جعل من اللغة مساحة للنجاة وميدانًا للمواجهة في آنٍ معًا. لذلك، فإن قراءة تجربته لا يمكن أن تتم خارج سياقها التاريخي والاجتماعي، ولا بمعزل عن ذلك التوتر الدائم بين الذات والسلطة، بين الحلم والواقع، بين ما يُقال وما يُراد له أن يُطمس.
وُلد في سيدي بوزيد، تلك الجغرافيا المهمّشة التي لم تكن مجرد مكان في سيرته، بل كانت إحدى البنى العميقة التي شكّلت وعيه الشعري ومزاجه الاحتجاجي. هناك، في قلب الهامش، تفتّحت أسئلته الأولى على معنى العدالة والكرامة، قبل أن تتحوّل لاحقًا إلى مادة شعرية مشحونة بالقلق والتمرّد، وكأنّه كان يكتب منذ البداية سيرة مكان مسحوق بقدر ما كان يكتب سيرة ذات قلقة.
في زمن كانت فيه اللغة الرسمية محكومة بإيقاع السلطة، ومشدودة إلى خطاب التبرير والتزييف، اختار أولاد أحمد أن ينحاز إلى لغة أخرى، لغة تنبض بالحياة اليومية، وتستعيد بساطتها دون أن تفقد عمقها. لقد كتب كما يتكلم الناس، لكنه كان يقول ما لا يستطيع الناس قوله. وهذه المفارقة هي ما منح نصّه تلك القدرة النادرة على الجمع بين العفوية والحدّة، بين القرب من الوجدان الشعبي والانفتاح على أفق فكري واسع.
لم يكن التمرّد عنده شعارًا عابرًا، بل كان بنية داخلية تتخلل كتابته وتوجّه رؤيته للعالم. فهو لم يكن يواجه السلطة من موقع الأيديولوجيا المغلقة، بل من موقع الإنسان الذي يرفض أن يُختزل في رقم، أو أن يُختطف صوته باسم الجماعة أو الدولة أو حتى باسم الثورة نفسها. ومن هنا، جاءت قصيدته مشبعة بحس فردي قوي، لكنها في الآن ذاته تلامس الهم الجمعي، وتعبّر عن أسئلة جيل كامل وجد نفسه معلقًا بين الخيبة والأمل.
ولعلّ أحد أبرز تجليات هذا التمرّد الأخلاقي تمثّل في موقفه الصريح من نظام زين العابدين بن علي، حيث لم يكتفِ بمعارضته شعرًا وموقفًا، بل جسّد رفضه عمليًا حين امتنع عن قبول تكريم رسمي من السلطة. لم يكن ذلك مجرد موقف رمزي، بل إعلانًا واضحًا بأن الشاعر لا يمكن أن يكون جزءًا من آلة التلميع، ولا شاهد زور على اختلالات بنيوية تمس الحرية والعدالة. لقد شاكس سياسات النظام الاستبدادية، وانتقد توجهاته الاقتصادية التي عمّقت الفوارق، كما رفض منطق الانغلاق السياسي الذي صادر المجال العام، فدفع ثمن ذلك تضييقًا وملاحقة، لكنه ربح في المقابل صفاء موقعه الأخلاقي.
وإذا كان الشعر عند أولاد أحمد قد مثّل واجهة تجربته الأبرز، فإن منجزه لا يكتمل دون التوقف عند أعماله التي شكّلت علامات فارقة في مسار الكتابة التونسية الحديثة. فقد أصدر دواوين عدّة، من بينها نشيد الأيام الستة، ذلك العمل الذي صودر في بدايات حكم زين العابدين بن علي ضمن سياق أوسع من التضييق على الكلمة الحرة، بما يعكس خوف السلطة من الشعر حين يتحوّل إلى وعي. كما أصدر ليس لي مشكلة وحالات الطريق، وهي أعمال تكشف تحوّلات صوته وتنامي حدّته النقدية.
وإلى جانب الشعر، كتب نصوصًا نثرية لافتة، لعل أبرزها كتابه الساخر تفاصيل، حيث تتجلّى قدرته على التقاط اليومي وتفكيكه بلغة حادة ومريرة في آن واحد، تجعل من السخرية أداة كشف لا وسيلة ترفيه.
غير أنّ لحظة مفصلية في مساره الشعري ظلّت عالقة في الذاكرة الثقافية العربية، تعود إلى سنة 1984، خلال مشاركته في مهرجان المربد الشعري، أحد أبرز المحافل الشعرية في العالم العربي. هناك، وبعد أن ألقى أولاد أحمد إحدى قصائده المميّزة، حدث ما يشبه الاعتراف الرمزي الكبير: إذ قام محمود درويش من مقعده مصفّقًا، في لحظة نادرة تختزل معنى التقدير بين الشعراء. لم تكن تلك مجرّد تحية عابرة، بل إشارة عميقة إلى أنّ صوتًا جديدًا قد شقّ طريقه بثقة داخل المشهد الشعري العربي.
وليس من قبيل المصادفة أن تتحول علاقة الشاعر بمحيطه إلى أثر حي في تجارب من اقتربوا منه. فقد كان حضوره يتجاوز النص إلى الإنسان، إلى ذلك النموذج النادر للمثقف العضوي المشتبك مع واقعه، الرافض لرداءة المشهد العربي بكل تجلياته. وفي هذا السياق، تتخذ العلاقة الشخصية التي نسجها بعض الكتّاب معه بُعدًا خاصًا، إذ لم يكن مجرد شاعر يُقرأ، بل أستاذًا يُصغى إليه ويُحاور. ومن بين هذه التجارب، تبرز تجربة كاتب هذه السطور، الذي جمعته به صلة إنسانية وفكرية مميزة، وجعل منه مرجعًا شعريًا ولغويًا، ورمزًا تونسيًا وعربيًا بامتياز.
وقد تُوّج هذا القرب بحوار صحفي مطوّل أُجري معه، نُشر على ثلاث صفحات في مجلة الطريق الجديد، لسان حركة التجديد آنذاك، وهو حوار لم يكن مجرد مادة إعلامية، بل مساحة تفكير مشتركة، كاشفًا عن عمق رؤيته وصلابة موقفه.
لقد عاش الشاعر صراعه مع السلطة لا بوصفه حدثًا خارجيًا فحسب، بل كاختبار داخلي مستمر. فالمضايقات التي تعرّض لها لم تدفعه إلى الصمت، بل جعلته أكثر إصرارًا على أن تكون الكتابة فعل مقاومة، دون الوقوع في فخ الخطاب المباشر أو الشعاراتي.
ومن اللافت أنّ المؤسسة الثقافية عادت لتحتفي به في سنة 2015، حين تم تكريمه بمبادرة من لطيفة لخضر، في لحظة اعتراف متأخرة لكنها عميقة الدلالة، أعادت الاعتبار لشاعر ظل طويلًا خارج دوائر الرضا.
إنّ تجربة محمد الصغير أولاد أحمد لا تُقرأ بوصفها تجربة شعرية فحسب، بل بوصفها موقفًا من العالم، ووعيًا حادًا بزمن عربي مثقل بالالتباس. لقد كان شاعرًا يكتب ليقاوم، ويقاوم ليبقى وفيًا لما يراه حقيقة، حتى وإن كلّفه ذلك العزلة أو التهميش.
لقد رحل الجسد، لكن القصيدة بقيت، لا كأثر جمالي فقط، بل كصوت يقاوم النسيان، ويذكّرنا بأن الكلمة، حين تكون صادقة، قادرة على أن تصمد أكثر من كل أشكال العابر.

*شاعر و كاتب صحفي تونسي مهتم بقضايا الفكر التنويري و آخر ارهاصات المشهد الثقافي العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى