أدب وفن

كتب البشير عبيد : حين يغني الغياب..احمد قعبور بوصفه ذاكرة لا تطفأ..

حين يغنّي الغياب: أحمد قعبور بوصفه ذاكرة لا تُطفأ

البشير عبيد / تونس*

يرحل أحمد قعبور، لكن ما يتبدّد مع رحيله ليس الصوت بوصفه أثرًا سمعيًا عابرًا، بل ذلك التراكم العميق للمعنى الذي نسجه عبر عقود من الاشتباك الهادئ بين الفن والذاكرة والوجدان. لم يكن حضوره مجرد حضور فنان يؤدي ويغنّي، بل كان أقرب إلى موقع الشاهد الجمالي على زمن عربي مثقل بالتحولات والانكسارات والأسئلة المفتوحة. في تجربته، لم تكن الأغنية تعبيرًا عابرًا عن لحظة، بل أفقًا معرفيًا لفهم العالم وإعادة تأويله؛ حيث يتداخل الخاص بالعام، ويتحوّل الإحساس الفردي إلى مرآة لوعي جمعي متشظٍ يبحث عن صوته وسط الضجيج. خرج صوته من تفاصيل الحياة اليومية، من البساطة التي تشبه الناس، لكنه ما لبث أن تجاوز حدودها ليصير جزءًا من أرشيف وجداني مشترك، تتقاطع فيه الذكريات مع القضايا الكبرى، ويتجاور فيه الحنين مع القلق، والرغبة في البقاء داخل معنى ما، مهما بدا هشًّا أو مهددًا بالانطفاء.
لم يكن الفن عند أحمد قعبور ترفًا جماليًا، بل ضرورة داخلية، وسبيلاً لتثبيت المعنى في وجه التلاشي. لذلك بدت أعماله وكأنها تنحت في الزمن، لا لتجمّده، بل لتمنحه قابلية الاستمرار داخل الذاكرة. لقد أدرك، في مستوى عميق، أن الصوت ليس مجرد وسيلة تعبير، بل وعاء للذاكرة، وأن الأغنية قادرة على أن تتحول إلى وثيقة وجدانية تحفظ ما يعجز التاريخ الرسمي عن التقاطه. ومن هنا، جاء صوته مشبعًا بنبرة إنسانية شفافة، لا تصرخ بقدر ما تهمس، ولا تفرض خطابًا بقدر ما تفتح أفقًا للتأمل، وكأنها تقول إن المعنى لا يُفرض من الخارج، بل يُبنى من الداخل، في تلك المساحة الغامضة بين التجربة والوعي.
في هذا الأفق، تبرز فلسطين التاريخية بوصفها أحد أكثر الحقول الرمزية حضورًا في تجربته، لا بوصفها شعارًا سياسيًا أو موقفًا جاهزًا، بل باعتبارها جرحًا مفتوحًا في الوعي العربي الحديث، وذاكرة ممتدة من الفقد والمقاومة والبحث الدائم عن العدالة. لقد تسلّل صوته إلى هذا الجرح برهافة نادرة، لا ليقدّم إجابات جاهزة، بل ليمنحه لغة أخرى، لغة تتجاوز المباشر نحو العمق، وتحوّل الألم إلى تجربة قابلة للإنصات. هنا تتجلّى قيمة قصيدة توفيق زياد “أناديكم”، التي تحوّلت، مع لحنه وأدائه، إلى أكثر من نص شعري أو أغنية؛ لقد صارت حالة وجدانية تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة، لتلامس سؤال الوجود ذاته.
لم يكن التلحين عنده مجرد نقل للكلمات إلى إيقاع، بل إعادة خلق للنص داخل فضاء سمعي جديد، حيث تتبدّل الدلالة وتُعاد صياغة الإحساس. في “أناديكم”، يتحول النداء من صيغة لغوية إلى صرخة داخلية، تتردّد في أعماق الذاكرة الجمعية، وتعيد إحياء معنى الانتماء إلى أرض تُستعاد في الوجدان بقدر ما تُستعاد في الواقع. إن هذه القدرة على تحويل النص إلى تجربة حسّية معيشة هي ما جعل من الأغنية عند أحمد قعبور فعلًا ثقافيًا يتجاوز حدوده الفنية، ليصبح جزءًا من التشكّل العميق للوعي.
في هذا التحوّل، تتكشف العلاقة بين الفن والمقاومة بوصفها علاقة مركّبة، لا تقوم على الشعارات أو الخطابات المباشرة، بل على بناء حسّ داخلي قادر على إدراك المعنى في مستوياته الأكثر عمقًا. فالأغنية عنده لم تكن تشرح الواقع أو تختزله، بل كانت تفتحه على طبقات خفية من الإدراك، حيث يصبح الألم قابلًا للإصغاء، وتغدو الذاكرة قابلة للتداول عبر الصوت. إن فلسطين، في هذا السياق، ليست مجرد موضوع فني، بل أفق رمزي يتقاطع فيه الفردي مع الجمعي، والتاريخي مع الإنساني، حيث تتكثف أسئلة الحرية والعدالة والكرامة في تجربة حسّية نابضة.
ومن هنا، يظهر الصوت بوصفه وسيطًا معقّدًا بين التجربة والمعنى، بين الحدث بوصفه واقعة، والتاريخ بوصفه شعورًا حيًا يسكن الوعي. لقد استطاع أحمد قعبور أن يجعل من الأغنية مساحة لهذا التوتر الخلاق، حيث لا تنفصل الجمالية عن الموقف، ولا يتحوّل الموقف إلى خطاب مباشر، بل يظل مشدودًا إلى حساسية فنية عالية تحفظ للفن استقلاله، وتمنحه في الآن ذاته عمقه الإنساني. كان واعيًا بأن قوة الفن لا تكمن في صراحته، بل في قدرته على الإيحاء، وعلى خلق تلك المسافة الضرورية التي تسمح للمتلقي بأن يشارك في إنتاج المعنى، لا أن يكتفي بتلقيه.
ومع ذلك، فإن ما يمنح تجربة أحمد قعبور رسوخها داخل الذاكرة الثقافية هو هذا التوازن الدقيق بين العمق الجمالي والانشغال الوجودي بالإنسان. لم يكن فنانًا يكتفي بتسجيل اللحظة، بل كان يعيد تركيبها داخل العمل الفني، بحيث تتحول الأغنية إلى نوع من الذاكرة الموازية، تعيش إلى جانب الواقع، وتعيد تفسيره دون أن تفرض عليه قراءة واحدة أو معنى مغلقًا. وهنا تكمن فرادة تجربته: في هذا الانفتاح الدائم على التأويل، وفي هذه القدرة على إبقاء المعنى حيًا، متحركًا، قابلًا لأن يُعاد اكتشافه مع كل استماع جديد.
يمكن، في هذا السياق، النظر إلى حضوره بوصفه امتدادًا لتاريخ طويل من الأصوات التي حاولت أن تمنح المعنى زمنًا أطول من عمر الحدث، وأن تجعل من الفن مساحة لمقاومة النسيان. فحين يغيب الجسد، لا يبقى الصوت فقط، بل تبقى تلك البنية الشعورية التي أسّسها داخل الوعي الجمعي، وتستمر في الاشتغال بصمت، تعيد تشكيل العلاقة بين الفرد وتاريخه، وبين الإنسان وذاكرته. وهكذا، لا يبدو الغياب نهاية، بل تحوّلًا في شكل الحضور؛ انتقالًا من الصوت المسموع إلى الصوت المستعاد، من الأداء الحي إلى الذاكرة الحيّة، من اللحظة العابرة إلى الامتداد الذي لا ينغلق.
بهذا المعنى، لا يُقرأ رحيل أحمد قعبور بوصفه حدثًا عابرًا في سجل الفقد، بل بوصفه لحظة كاشفة عن قدرة الفن على مقاومة التلاشي. لقد غاب الجسد، لكن الأثر ظلّ مفتوحًا، يتردّد فينا كأنّه لم يغادر، ويذكّرنا بأن ما يُصنع بصدق داخل الوجدان، لا يمكن أن يُطفأ بسهولة. هنا، يصبح الغياب شكلًا آخر للحضور، وتغدو الأغنية ذاكرة لا تُمحى، بل تستمر في إعادة كتابة نفسها داخلنا، كلما ظننا أننا بلغنا نهايتها.

*شاعر و كاتب صحفي مهتم بقضايا الفكر التنويري الكبير و آخر ارهاصات المشهد الثقافي العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى