مقالات أعضاء نرسين عن كتاب “وقال النبي” ترجمة الدكتور شاكر النوري

مقالات أعضاء نرسين عن كتاب “وقال النبي” ترجمة الدكتور شاكر النوري
شعرية الحزن والألم في كتاب”وقال النبي” لجبران خليل جبران،
ترجمة الدكتور شاكر نوري
د. مريم بن عياش

تُمثّل لغة الحزن عند جبران خليل جبران (وهي لغة الرومانسيين بصفة عامة) جوهرًا وجوديًّا يدمج الألم بالمقدّس، حيث يتحول الحزن في نثره وشعره إلى لغة مُتعالية تطهّر النفس وتسمو بها، وتتجلّى هذه المسحة الشجية في أعماله عبر توظيف القاموس اللفظي المرتبط بالفراق والألم وأنسنة الطبيعة، إضافة إلى تحول الألم في نصوصه التأمليّة إلى شرط أساسي للنضج الروحي والوعي العميق.
امتازت -كذلك- هذه اللغة بقوة الطرح مع سهولة اللفظ، إذْ انحصرت دعوة التّجديديين في ضرورة تخليص الشّعر من صخب العبارات وضجيجها، والاتجاه نحو التّعبير عن الذات، ولقد كان الشّعور بالتّمرد والنّزوع إلى الحيرة الفردية، انسحاب هؤلاء الشعراء إلى عالم الذات والوجدان ومحراب الطبيعة، ولقد أطلقوا تعبير “مرض العصر” على تلك الحالة النّفسية التي تتولّد من عجز الفرد عن التّوفيق بين القدرة والألم.
نجد كذلك نظرة المتمّرد الذي لا ينصاع لقواعد، ولكن أي قواعد؟ إنها القواعد المكرّسة لنمط أدبي واحد؛ فالشّعر “كلمات العواطف والخيال والذوق السّليم”، فالذي يكون خياله قاصرًا يأتي شعره فارغًا من أيّ معنى، مفرغًا من الحياة ككل.
كما أنّ الشّعر عنده مرتبط بالحياة وأعماق الذات، فجبران ههنا، يخبرنا بحاجتنا إلى نور نهتدي به في الحياة، وليس من نور نهتدي به غير نور الحقيقة. حقيقة ما بأنفسنا، وحقيقة ما في العالم من حولنا، حاجتنا إلى الجميل في كلّ شيء.
وثاني دوائر البوح والتّعبير عن الذات هو الحزن السّاكن بين الحروف والكلمات، ونجد الحزن صبغة اصطبغت بها معظم أشعار الدّيوان، ومن ذلك قول جبران: “إنّ الحقيقة التي تولد من رحم الجدال والمحاججة هي حقيقة تولد ميتة هامدة، لا حياة فيها”، وقوله كذلك في قطعته”الألم الأعمق”: ولم يعرني امرؤ سمعه، فكان ذلك هو الألم الأعظم، وهي تجسيد للغربة التي يعيشها الشاعر.داخل مجتمعه.
عبّر عن الرّحيل والموت، ولأنّ الموت أكبر حقيقة في حياتنا، تأمّله الشعراء والفلاسفة كثيرًا، منذ الشعر الجاهلي حتى يومنا هذا،
وفي الشّعر الحديث والمعاصر ربما أصبح الموت رمزا يلجأ إليه الشّعراء المحدثون كلّما أرادوا التّعبير عن النّهاية واليأس والقنوط، أمّا جبران فنراه أحيانا يلقي بنظرته للوراء متأمّلاً حياته، ثمّ بشكل تلقائي نجده يحدّثنا عما يشبه النهاية أو اقتراب موعد الرّحيل، فيقول:
جئنا كضباب عابر
ومضينا كغيمة شاردة
(…)
والآن، إن شئتم بحق أن تدركوا ما تجلّى لنا من يقين،
فما عليكم إلاّ أن تسلكوا درب الموت، تمامًا كما وطئته أقدامُنا.
تحمل هذه الأسطر رؤية فلسفية وجودية تعكس جوهر الرومانسية عند جبران خليل جبران، وتكثّف نظرته الإبداعية إلى الحياة والموت واليقين. يمكن تفكيك المعنى وقراءته نقديّاً، من خلال النقاط الآتية:
- ضبابية الوجود المادي:
ففي قوله: “جئنا كضباب عابر.. ومضينا كغيمة شاردة”، والتي تدلُّ على الرحيل الصامت بلا أثر مادي مستقر. هذه الصورة تكشف عن “الحزن الشفيف” لدى جبران، حيث يُشبّه العمر برحلة هلامية سريعة تنتهي بالغياب. - حتمية الموت وحقيقته:
في الشطر الثاني: “والآن، إن شئتم بحق أن تدركوا ما تجلّى لنا من يقين…”، ينتقل من الشّك وضبابية الحياة إلى مرحلة الوعي الكلي، فبالنسبة لجبران، الحياة مليئة بالأوهام والمظاهر الخادعة، بينما الموت هو الحقيقة المطلقة. - التحرُّر الروحي:
• عندما يقول: “فما عليكم إلاّ أن تسلكوا درب الموت، تمامًا كما وطئته أقدامنا”، هو لا يدعو هنا إلى الفناء البيولوجي أو اليأس، بل يقدم مفهوماً صوفيّاً للموت باعتباره جسر العبور نحو الحرية والاتحاد بالكلّ
• كما يُمثّل التجربة الروحية العميقة؛ حيث لا يمكن للإنسان فهم أسرار الكون والوصول إلى التطهير الكامل إلاّ إذا تخلّى عن الخوف، وسار في طريق الانعتاق الروحي الذي سلكه العارفون والشعراء من قبله.
يمكن القول إنّ النص يختزل فلسفة جبران في أنّ الحياة رحلة حزينة وقصيرة كالضباب، وأنّ الموت ليس نهاية مرعبة في حقيقة الأمر بل هو ولادة ثانية وانتقال روحي من عالم الوهم إلى عالم الحقّ واليقين المطلق.
ويقول كذلك في “الصّوفي”
نحن نضحك ملء أفواهنا للمأساة الجاثمة في قلب النّهار؛
ونبكي دماً للضحكات الزّائفة العالية فيه.
يجسد هذا المقطع مفارقة وجدانية ووعي سيكولوجي عميق عند جبران، كما يعكس الفلسفة الصوفية الحزينة التي ترى بواطن الأمور لا ظواهرها الخادعة. يمكننا قراءة هذا المقطع من خلال المفارقة الضدية الآتية:
• الضحك للمأساة- الضحك “ملء الأفواه” في مواجهة المأساة ليس استهانة بها، بل هو ضحك كالبكاء. إنه تعبير عن العبث الوجودي، والوصول إلى مرحلة من الحزن يتجاوز فيها الشاعر الدموع، فيسخر من الواقع.
• ثم البكاء من الضحك: يبكي الصوفي “دماً” (وهي صورة بلاغية تدلُّ على أقصى درجات الألم الروحي) أمام “الضحكات الزائفة”. فالصوفي يرى في ضحك البشر السطحي هروباً من مواجهة أنفسهم، وتغطيةً بائسة لجهلهم وخوائهم الروحي.
في هذا المقطع، تصبح اللغة وسيلة لتطهير الروح بالألم. الشاعر لا ينقل حدثاً، بل ينقل موقفاً معرفيّاً، حيث يرفض السعادة السطحية المزيّفة، ويفضّل المعاناة الحقيقية التي تقود إلى الوعي. الحزن هنا يتحول من مجرد انكسار عاطفي إلى أداة تشريح للمجتمع الإنساني الذي يعيش في وهم الجماعة، بينما الحقيقة تكمن في عزلة الروح وبكائها الوجودي.
ما يمكن قوله أخيرًا، المفردات والعبارات في الكتاب جاءت حزينة لونًا وصوتًا وحركة، وكلّ حرف هو جرح مفتوح، ينساب كقطرات رقيقة متوالية ومتناغمة، متساقطة على شرفة الليل، المليئة بالأفكار والتّأمّلات والمشاعر المختلفة.
…
حين تصهر الترجمة الذاكرة: خيمياء جبران في «والنبيّ قال».
قراءة نقدية في كتاب «والنبيّ قال: كتابات مجهولة لجبران خليل جبران».
تحرير: دالتون هيلو أينهورن
ترجمة: شاكر نوري
دار التكوين، دمشق
د. امال بوحرب

الكاتب بين التاريخ والأرشيف
ثمّة كتّاب يصنعون التاريخ حين يمنحون التجربة الإنسانية لغتها. ينتشلون من عابر الوقائع معناها الأبعد، ويحوّلون الذاكرة إلى أثر قادر على اجتياز الأزمنة. وثمّة تاريخ يعيد كتابة الكاتب، ويرتّب حضوره، ويقرّب نصوصاً من الضوء، ويترك نصوصاً أخرى في ظلال النسيان قبل أن تستعيدها المخطوطات والأرشيفات، وتقدّمها إلى قرّاء جدد.
أمّا المترجم فيكتب للنصّ تاريخاً موازياً، فهو يعبر به بين اللغات والأزمنة والآفاق الثقافية، ويمنحه حياة جديدة داخل لغة تستقبله، وتعيد مساءلته. من هذا المنظور تقرأ ترجمة شاكر نوري بوصفها فعلاً من أفعال إعادة التكوين الثقافي، فهي تتجاوز وظيفة النقل اللغوي، لتغدو فضاء تتجاور فيه أصداء كتابة جبران، وذاكرة أرشيفه، وحساسية القراءة العربية.
من خلال هذه الترجمة يعود جبران إلى العربية بحضور مركّب، يحمل مساراً نصيّاً طويلاً يبدأ من تجربته في المهجر، ويمرّ بمحفوظات أرشيفه وعمل التحرير والنشر، ثمَّ يبلغ قارئاً عربيّاً، يلتقي وجهاً جديداً لصاحب «النبيّ».
يضمّ كتاب «والنبيّ قال» نصوصاً وشذراتٍ ومقاطعَ من مسودات استخرجت من أرشيف جبران وماري هاسكل. جُمعت هذه النصوص، وحرّرت، ونشرت بالإنجليزية قبل أن ينقلها شاكر نوري إلى العربية. وهكذا يجد القارئ نفسه أمام جبران في لحظة الكتابة والتجريب حيث تتخلّق الرؤيا عبر الألم والصمت والموت والإيمان المتصدّع.
من الواقعة إلى المعنى
يضيء التمييز الأرسطي بين التاريخ والشعر هذا المسار المعقّد، فالتاريخ يتصل بما وقع بينما يتجه الشعر إلى ما يمكن وقوعه. لذلك يقترب الشعر من الفلسفة عبر تأمّله الكلّي في التجربة الإنسانية.
يمنح الكاتب تجربته أفقاً دلاليّاً أرحب، ويهيّئ المترجم لهذا الأفق حياة جديدة داخل ثقافة أخرى.
يقول جبران: «ما أنا إلّا إنسان صيّره إذعانه غريباً عن ذاته، وازداد حكمة من وحي صباه، وأعظم إيماناً من رحم إيمانه المحطّم».
تتجاوز العبارة حدود التجربة الفردية، وتحيل الإذعان والاغتراب وانكسار الإيمان إلى دلالات إنسانية واسعة. يظهر التاريخ الشخصي للمتكلّم بوصفه واقعة عاشها، لكن الشعر يفتح الواقعة على إمكان عام يخصّ كلَّ إنسان يمرّ بتجربة تحوّل داخلي.
يغدو الإيمان هنا صورة لوعي يعيد بناء ذاته عبر الألم، ويكتشف في الجرح مادّة لحكمة جديدة.
يظهر دور شاكر نوري في إعادة بناء قابلية النصّ للعبور، فعبارة «الإيمان المحطّم» تحافظ على كثافة الصورة، وتجمع بين الانكسار والولادة، وبين الذاكرة والتحوّل، ويمنح التركيب المتدرّج من الإذعان إلى الاغتراب، ومنه إلى الحكمة ثمّ إلى الإيمان الأعمق حركة داخلية، تجعل النصّ مثالاً حيّاً على انتقال الواقعة الخاصة إلى دلالة عامة.
الكاتب والتاريخ
رسّخت شهرة «النبيّ» صورة مخصوصة لجبران في الذاكرة الأدبية، فهو الحكيم الذي يطلّ على العالم من ذروة التأمّل، والمرشد الذي يمنح الأشياء أسماءها النهائية، والشاعر الذي يصوغ الحبّ والموت والحرّية والعمل في عبارات ذات إيقاع خاص، ودلالة راسخة.
أسهم تداول هذه العبارات في توسيع حضوره حتى غدت صورته العامة أكثر رسوخاً من المسار الداخلي الذي أفضى إليها.
يكشف «والنبيّ قال» الطبقة السابقة على اكتمال هذه الصورة. تعيدنا النصوص إلى لحظة كانت فيها العبارة تتحسّس طريقها بين الصمت والرغبة في القول، وبين الذاكرة والخيال، وبين الألم والحاجة إلى المعنى. تقرّب المسودات القارئ من كاتب يجرّب صوته، ويراجع صورته، ويختبر قدرة اللغة على حمل تجربة تتشكّل أمامه.
تظهر المسوّدة أثراً حيّاً للحظة الإبداع، تحفظ حركة القلم والعقل والروح وهي تبحث عن العبارة الأقدر على تمثيل الداخل، ويمنح الأرشيف هذه الكتابة زمناً إضافيّاً للحضور، لأنّه يحفظ آثار المراجعة والاحتمال، ويكشف أنّ النصّ المكتمل يحمل وراء صفائه تاريخاً من التردّد والاختيار والحذف والإضافة.
تغدو الحكمة في ضوء هذه النصوص ثمرة رحلة طويلة، وتصبح العبارة المضيئة أثراً لصراع داخلي منحها كثافتها وصدقها. هنا تكمن أهمّية «والنبيّ قال»، لأنّه يضيف إلى جبران المعروف جبران التكوين، ويمنح القارئ فرصة لمرافقة النصّ قبل وصوله إلى صورته النهائية.
الصورة الأيقونية واتّساع التجربة
تقوم الصورة الأيقونية على تثبيت ملامح محدّدة للكاتب، ثمّ تحويلها إلى عدسة مركزية تحكم تلقّي أعماله. في حالة جبران ارتبطت هذه الصورة بالحكمة، والخطاب الروحي، والعبارة المكتفية بذاتها.
غير أنّ «والنبيّ قال» يقدّم خلف هذه الصورة ذاتاً أكثر حركة وقلقاً. إنّها ذات تُصغي إلى ما يتشكّل في أعماقها، وتستعيد حضوراً غائباً عبر الحلم والذاكرة والانتظار.
في نصّ «عروس أحلامي» المؤرّخة في آذار/مارس 1931 يقول:
من أين أتيتِ، يا عروس أحلامي الهائمة؟
تمهّلي في خُطاكِ، وامضي رويداً، يا عروس رؤاي العميقة
فإنّ قدميّ اللتين أنهكهما السفر قد كلّتا الآن
وما عدت أقوى على لحاق أثرك».
يظهر جبران في هيئة مسافر أنهكه الطريق، وتعلّق بصورة تلوح له، ثمّ تبتعد. تبدو عروس الأحلام رؤيا هائمة تتقدّم في فضاء التخيّل فيما يحاول الشاعر اللحاق بأثرها. تتحوّل العروس إلى صورة للمعنى المنشود، أو للحلم الذي يظل قريباً بما يكفي لإيقاظ الرغبة، وبعيداً بما يكفي لتعميق الإحساس بالفقد.
تتحرّك في النصّ قوتان متعارضتان: حركة العروس التي تمضي، وحركة الشاعر الذي أثقله السفر. من هذا التعارض يتولّد بعده الوجودي. يواصل الحلم ابتعاده بينما تكتشف الذات حدود قدرتها على بلوغه.
إنّها لحظة إنسانية معلّقة بين الرجاء والعجز، وبين الرغبة في الوصول ووعي المسافة.
تتعمّق هذه الصورة في نصّ «الإنسان الآخر» حيث يواجه جبران الصورة التي يصنعها الآخرون له، ويردّها إلى أصلها الإنساني:
تقولون إنّني امرؤ من عالم الروح
وحقّ ما تزعمون، فما أنا إلّا سليل هذه الأرض الضاربة جذورها في الطين
وتقولون إنّني غارق في معرفة الله
وإنّه لصدق، فإنّي سبرت أغوار الإنسان وعذاباته
وتبتغون مسحي بالزيت المقدّس، وتتويجي ملكاً
وأنا أرتضي في خنوع أن أمسح بالبركة، وأتوّج.
يقوم النصّ على مفارقة بين الصورة التي يصنعها الآخرون لجبران والصورة التي يستعيدها هو عن ذاته. يرونه من عالم الروح، وغارقاً في معرفة الله، وجديراً بالمسح المقدّس والتتويج، لكنَّه يعيد هذه المكانة إلى أصلها الأرضي، ويؤكّد أنّ صلته بالروح مرّت عبر الإنسان، وأنّ معرفته بالله ارتبطت بسبر أغوار الإنسان وعذاباته.
تستمدّ عبارة «سليل هذه الأرض الضاربة جذورها في الطين» قوّتها من الجمع بين العلوّ الروحي والثقل الأرضي. إنّها تصل الروح بالجسد، والمعرفة بالعذاب، والحكمة بالإنسان الذي يصارع هشاشته. كما تكشف عن وعي جبران بخطر التتويج الرمزي، فالمسح بالزيت المقدّس والتتويج يرفعانه إلى مقام القداسة، أو الملك بينما تحافظ عبارته على أثر من التواضع يردّ الصورة إلى أصلها الإنساني.
تتحوّل اللغة هنا إلى مقاومة هادئة للأيقونة عبر إعادة وصلها بالطين والإنسان والعذاب. تظهر هشاشة الذات خلف مظهرها الروحي، فالشاعر متعب من الطريق، والإنسان متحفّظ إزاء التتويج، وكلاهما يطلب أن تُقرأ تجربته من الداخل.
الأرشيف واستعادة جبران الإنسان
يحفظ الأرشيف زمن التكوين، ويقرّبنا من النصّ في لحظة ولادته.
في المسوّدة تبحث العبارة عن إيقاعها، وتختبر الصورة دلالاتها، وتتحرّك الفكرة بين احتمالات متعدّدة. تمنح هذه المادّة القارئ معرفة تتصل بحركة الكتابة من الداخل حيث يظهر العمل الأدبي مساراً من التجريب والتصفية وإعادة الصياغة.
تتّسع الخريطة الجبرانية عبر هذه النصوص. يظهر إلى جانب صاحب «النبيّ» شاعر أكثر قرباً من القلق الإنساني، وكاتب يختبر مساحة السؤال، وذات مهاجرة تتفاعل فيها ذاكرة الشرق وأسئلة المهجر.
يقدّم الأرشيف تاريخاً موازياً للتاريخ الأدبي الذي تصنعه الكتب واسعة الانتشار، يحتضن مراحل الكتابة ومساراتها المؤجّلة، ويمنحها فرصة للعودة إلى المجال العام.
تكمن قيمة هذه العودة في إعادة بناء جبران داخل تعدّده، فالحكمة تستمدّ عمقها من الطريق الذي أنجبها، والعبارة المضيئة تزداد إنسانية حين تظهر خلفها طبقات الألم والبحث. هكذا يفتح الأرشيف باباً لرؤية جبران بوصفه كاتباً يتشكّل باستمرار، ويجعل من التجربة الفردية لغة مشتركة بينه وبين قارئه.
دريدا وعودة النصّ
يرتبط الأرشيف في التصوّر الدريدي بفكرة الأصل، وبفكرة الأمر في آن، فهو يحفظ البدايات، ويشارك في تحديد ما يدخل ضمن الذاكرة، وما يستقرّ خارجها. تدخل قصائد جبران في هذا الأفق بوصفها نصوصاً محفوظة في منطقة انتظار، ظلّت مادّتها حاضرة في الأرشيف، ثمّ انتقلت إلى الجمع والتحرير والنشر قبل أن تصل إلى العربية عبر الترجمة.
تكشف هذه الرحلة عن حياة متعدّدة للنص، يتغيّر موقعه بتغيّر الوسيط، وتتجدّد علاقته بالقارئ مع كلّ انتقال. تظهر القصائد المجهولة بوصفها وثائق تحمل وعداً بالمستقبل، لأنَّها تخرج من صمت الحفظ إلى حركة القراءة، ومن خصوصية الأرشيف إلى المجال الثقافي العام.
نتعرّف من خلال ذلك إلى جبران الذي يعيش في الكتاب المشهور، وإلى جبران الذي يعود من المخطوط، وإلى جبران الذي يولد مرّة ثالثة في ترجمة عربية جديدة. تؤدّي عملية الأرشفة دوراً في تكوين الحدث الذي تحفظه، لأنّ طريقة الجمع والترتيب والعرض تؤثّر في الصورة التي يصل بها الكاتب إلى القارئ.
جبران ونيتشه: مساران للتحوّل
يتحرّك جبران ونيتشه حول سؤال القيم التي تفقد قدرتها على إضاءة التجربة. يقترح نيتشه مساراً يقوم على إعادة خلق القيم، وإرادة التحوّل، وتجاوز الذات. ويصوغ جبران مساراً روحيّاً يجعل المحبّة طاقة قادرة على تحويل الألم إلى معرفة، وعلى وصل الذات بالعالم والآخرين.
تقع تجربة جبران خارج ثنائية الظفر والهزيمة. يمنح الانكسار وظيفة تكوينية، ويحوّل الضعف إلى مجال لإعادة بناء الذات. يكتسب الإيمان عمقه عبر الاختبار، وتنشأ الحكمة من الاحتكاك بالألم، وتتحوّل المحبّة إلى قدرة على تجاوز العزلة.
تقترب هذه الرؤية من مشروع نيتشه في جعل التحوّل شرطاً لتجاوز الذات مع اختلاف المنطلق والغاية. يمنح نيتشه إرادة الخلق مركزاً في إعادة بناء القيم بينما يجعل جبران المحبّة والرحمة والإصغاء وسائل لإعادة وصل الإنسان بذاته والعالم. في التجربتين يتحوّل الجرح من علامة عجز إلى طاقة تغيير.
هايدغر: الموت والصمت وبيت اللغة
يتيح هايدغر قراءة مزدوجة لنصوص جبران من خلال الموت واللغة. يعيش الإنسان داخل الزمن، ويحمل إمكان نهايته في صميم وجوده، وتفتح اللغة له المجال الذي يظهر فيه العالم، ويتشكّل فيه المعنى.
تتقاطع هذه الرؤية مع عالم جبران حيث تحضر النهاية طريقاً إلى الوعي، ويحضر الصمت شرطاً لولادة القول.
في نصّ «جئنا كضباب عابر» يقول جبران:
والآن إن شئتم بحقّ أن تدركوا ما تجلّى لنا من يقين
فما عليكم إلّا أن تسلكوا درب الموت
تماماً كما وطئته أقدامنا».
ينتقل الموت هنا من مجال الفناء إلى مجال المعرفة. يكشف حدود الوجود، ويعيد ترتيب علاقة الإنسان بالزمن، ويمنحه وعياً أعمق بقيمة الحياة. لا يعود اليقين معرفة نظرية، بل يصبح ثمرة عبور وجودي، يختبر الإنسان خلاله هشاشته وحدوده.
يضيء هايدغر الموت بوصفه إمكاناً أصيلاً يرافق وجود الإنسان، ويمنحه وعياً بفرادته ومسؤوليته. يقترب جبران من هذا المعنى حين يجعل الموت طريقاً إلى اليقين، ويربط وعي النهاية بصفاء الحضور. يعيد الموت ترتيب علاقة الإنسان بزمنه، وتستعيد اللحظة قيمتها عبر وعيها بقابليتها للفقد، كما تستعيد الحياة كثافتها عبر حضور النهاية في أفقها.
يضيء هايدغر كذلك مكانة الصمت في تجربة جبران، فاللغة بيت الوجود، والصمت مجال تتجمّع فيه القدرة على الإصغاء قبل تحوّلها إلى كلام. في نصّ «الصمت» يصبح الصمت فضاء، تتخلّق فيه العبارة من الداخل، وتستعيد الذات علاقتها بصوتها الأصيل.
يولد الكلام الجبراني من الصمت مثلما تولد الرؤيا من العتمة. تكتسب الحكمة قوّتها من بطء التكوين، ومن علاقة متأنّية بين التجربة والعبارة. يمنح الصمت اللغة عمقاً يتجاوز الزخرفة، ويجعل الصوت أكثر قرباً من حقيقة الإنسان.
باشلار وخيال العناصر
تمنح فلسفة باشلار صور جبران المائية والهوائية والنارية والأرضية مدخلاً خصباً لقراءة شعرية العناصر. ينظر باشلار إلى الماء والهواء والنار والأرض بوصفها منابع للخيال المادّي، ويقرأ حضورها في الأدب بوصفه حركة داخلية تتصل بمزاج الشاعر وطريقة تشكّل رؤيته.
ترتبط المياه عنده بالعمق والذاكرة والحلم، ويرتبط الهواء بالحركة والحرّية والارتفاع. تحمل النار معنى التحوّل والرغبة بينما تمنح الأرض الصور ثقلها وتجذّرها المادّي.
تتداخل مادّتا الماء والهواء في نصّ «جئنا كضباب عابر»، فالضباب ماء فقد كثافته، واستحال نفساً معلّقا في الفضاء، والغيمة ماء يتحرّك في الهواء، ويحمل إمكان المطر. تظهر الذات في هذه الصور كائناً بينيّاً يقيم بين الأرض والسماء، ويحمل رطوبة الماء وخفّة الهواء، ويعبر العالم في حركة أقرب إلى الحلم.
يحمل الضباب عند جبران معنى الزوال والتحوّل معاً. إنه صورة لذات تغادر صلابتها الأولى، وتدخل فضاء مفتوحاً على إمكانات جديدة. تضيف الغيمة الشاردة معنى الرحلة، لأنّها تحمل وعد الغيث، وتجربة الانتظار. تتأسّس في القصيدة خيمياء مائية هوائية يتحوّل فيها الفقد إلى تهيّؤ، ويصبح العبور لغة لمعرفة أعمق بالذات.
تظهر الأرض في نصّ «الكرمة المقدّسة» بوصفها عنصر التجذّر والثمرة. تصل الكرمة الجسد بالعالم، وتمنح التجربة ثقلها الحسّي.
يأتي العنب ثمرة ناضجة تحمل ذاكرة التربة والشمس والماء، ثمّ يدخل النبيذ في عملية تحوّل تنقل المادّة من حالة إلى أخرى، وتفتحها على الرمز والروح.
تتداخل النار مع هذا المسار في صورة التخمير والحرارة والرغبة. يحمل النبيذ أثر الزمن، وتمنحه النار كثافته الخفية. يتحوّل الحبّ إلى طاقة تجمع الأرض والروح والجسد والمعنى. تظهر الخيمياء هنا في صورتها الشعرية: مادّة أرضية تنضج، وتتحوّل إلى شراب، ثمّ ترتفع إلى خبرة روحية تستعيد العالم في هيئة أكثر امتلاء.
خيميائيات جبران: من السواد إلى الذهب
تتجاوز الخيميائيات عند جبران حدود الرمز الزخرفي، وتتحوّل إلى بنية عميقة تنتظم فيها القصائد. تعرض النصوص رحلة للذات، تبدأ بالسواد، وتعبر البياض، وتصل إلى الاحمرار، ثمّ تتّجه نحو ذهب الحكمة.
تمنح هذه الرحلة العناصر الطبيعية طاقة نفسية وروحية. يصبح الضباب صورة للقلق، والماء صورة للذاكرة، والصمت صورة للتصفية، والكرمة صورة للامتلاء، والنبيذ صورة للتحوّل.
السواد: انحلال الصورة
تمثّل مرحلة السواد بداية العمل الخيميائي. تدخل المادّة فيها فضاء التحلّل، وتفقد شكلها المألوف، وتتهيّأ لتحوّل جديد. تظهر هذه المرحلة في نصّ «جئنا كضباب عابر» حيث ترسم الذات وجودها في هيئة ضباب وغيمة شاردة. يحمل الضباب صورة وجود لا يستقرّ في شكل ثابت، وتحمل الغيمة الشاردة معنى ذات تحمل أثر رحلتها في الفراغ.
يشير غياب الندى، وجفاف الغيث إلى لحظة فقد داخلية تواجه فيها الذات هشاشتها وتدخل فضاء السؤال. يصبح السواد زمناً تنفتح فيه الذات على إمكانات جديدة لأنّ انحلال الصورة القديمة يهيّئ لتكوين صورة أعمق.
يحمل السواد عند جبران قيمة معرفية، تعبر الذات العتمة كي ترى حدودها، وتواجه الجفاف، كي تستعيد معنى الماء، وتذوق الاغتراب كي تكتشف قيمة الصلة. تتحوّل العتمة إلى مختبر للروح، فتعيد الذات تشكيل علاقتها بالإيمان واللغة والعالم.
البياض: الصمت والتصفية
تحمل مرحلة البياض معنى الغسل والتصفية، يتحوّل السواد فيها إلى صفاء، وتكتسب المادّة قدرة على استقبال النور. تظهر هذه الحركة في نصّ «الصمت» حيث يأخذ الصمت دوراً يتجاوز التوقّف عن الكلام.
إنّه فضاء تنمو فيه القدرة على الإصغاء، وتتخفّف الذات من الأصوات التي تثقل وعيها.
يغسل الصمت الروح من ازدحام العالم، ويعيد ترتيب الداخل، ويمنح اللغة زمناً كي تتشكّل من تجربة حقيقية. يرتبط الصمت بالحكمة ارتباطاً عضويّاً، لأنّ الحكمة تنمو حين تعبر الذات مرحلة التسرّع في القول. تكتسب العبارة عمقاً يصدر عن معرفة بالحياة.
يتصل البياض بصورة الماء من حيث الغسل والذوبان والشفافية، يصبح الصمت ماء داخليّاً يمرّ عبره الوعي، كي يكتسب صفاءه. إنّه صورة معبّرة عن ذات تتطوّر من الاضطراب إلى التأمّل، ومن تفتّت الصورة إلى بداية تماسك جديد.
الاحمرار: الكرمة والنبيذ
تبلغ الخيميائيات ذروتها في مرحلة الاحمرار، إنّها لحظة التحوّل التي ترتبط بالنار والدم والذهب والنبيذ والشمس. يظهر هذا الأفق في نصّ «الكرمة المقدّسة» حيث تتكثّف الكرمة والعنب والنبيذ والعاشق في منظومة رمزية، تجعل من الحبّ طاقة للخلق والاتحاد.
تحمل الكرمة معنى التجذّر في الأرض، ويحمل العنب معنى الثمرة الناضجة، ويحمل النبيذ معنى التحوّل الذي يصنعه الزمن والتخمير. تدخل الثمرة مرحلة جديدة من الوجود، فتتحوّل من غذاء أرضي إلى شراب مشبع بالرمز، قادر على حمل الذاكرة والفرح والنشوة.
يمثّل الاحمرار عند جبران لحظة يتجاور فيها الجسد والروح، يحمل الحبّ حرارة الحياة، ويصوغ صلة بين الرغبة والمعنى، ويجمع الحسّ بالتأمّل. يظهر النبيذ بوصفه صورة لتكثيف الوجود حيث يتحوّل العالم اليومي إلى خبرة مملوءة بالدهشة.
الذهب: الحكمة وامتلاء التجربة
يحضر الذهب في الخيمياء بوصفه الغاية الرمزية للعمل. يرمز إلى اكتمال المادّة، وإشراق الوعي. يأخذ الذهب في عالم جبران صورة الحكمة التي تولد من التجربة، تحمل الحكمة حرارة النار، وشفافية الماء، وأثر الجرح، وقوّة المحبّة.
تتشكّل هذه الحكمة عبر عبور الذات في الألم والصمت والحنين، فتغدو أكثر قرباً من الإنسان، وأشدّ اتصالاً بالحياة.
يمثّل «النبيّ» الصورة الذهبية الأكثر اكتمالاً في مدوّنة جبران بينما يتيح «والنبيّ قال» لقاء المادّة الأولى قبل بلوغ صيغتها النهائية.
تكشف النصوص المجهولة عن النار الداخلية التي صهرت العبارة، وعن العناصر النفسية والروحية التي صنعت نبرة جبران.
خيميائيات الترجمة عند شاكر نوري
تقدّم ترجمة شاكر نوري فعلاً خيميائيّاً في اللغة. يستقبل المترجم نصوصاً تشكّلت بالإنجليزية في تجربة جبران المهاجرة، ثمّ عبرت الأرشيف والتحرير والنشر، ويحملها إلى العربية ضمن شروط جمالية وثقافية جديدة. تصبح الترجمة مختبراً تتفاعل فيه عناصر النصّ:
المعنى والنبرة والصورة والإيقاع وذاكرة اللغة.
تأخذ القصيدة في مرحلتها الأولى هيئة مادّة خام، تحمل الجملة الإنجليزية تركيبها الصوتي، وتحمل الصورة إشاراتها الثقافية، ويحمل النصّ أثر التجربة التي نشأ منها. يدخل النصّ بعد ذلك إلى نار الترجمة حيث يختبر المترجم طاقة الكلمات والصور، ويعيد توزيعها داخل بنية عربية قادرة على حملها.
تمثّل هذه النار عمل الاختيار والموازنة بين المفردات، وضبط المسافة بين الوضوح والكثافة والمحافظة على حرارة التجربة من خلال جملة عربية حيّة. يواجه المترجم سؤالاً جماليّاً دقيقاً يتصل بقدرة العربية على حمل شفافية جبران، وعمق رموزه، وعلى حفظ التوتّر بين القرب والغرابة، وبين الإيقاع الإنجليزي والجرْس العربي.
يظهر الماء في فعل الترجمة بوصفه قدرة على التليين والوصل. يمرّر المترجم النصّ عبر حساسية العربية، ويمنحه مرونة تسمح له بالانسياب في ذاكرة قارئ جديد. يتجلّى الماء في الإيقاع، وفي تتابع الصور، وفي الانتقال بين العبارة الشعرية والتأمّل الروحي. تكتسب القصيدة العربية موسيقاها الخاصة، وتحافظ في الوقت نفسه على صلتها بعالم جبران.
أمّا الهواء فيمثّل حركة النصّ بين الثقافات. ينتقل النصّ من إنجليزية المهجر إلى عربية اليوم، ويحمل معه أصواتاً وتجارب متراكمة.
يمنح شاكر نوري هذه الحركة مجالاً للتنفّس في العربية، ويقدّم جبران بوصفه صوتاً متجدّداً يطرح أسئلة الألم والصمت والموت والحبّ.
تحضر الأرض في الترجمة بوصفها ذاكرة اللغة. تستقبل العربية النصّ داخل تاريخها البلاغي والروحي، وتمنحه جسداً ثقافيّاً جديداً.
يعيد المترجم غرس النصّ في تربة عربية، فينبت داخلها بإيقاع خاصّ، ويحمل في الوقت ذاته آثار رحلته الإنجليزية. تظهر الترجمة هنا عملية تجذير للنصّ في ثقافة جديدة.
تكتمل العملية في صورة الذهب اللغوي. تقدّم الترجمة الناجحة نصّاً عربيّاً يملك حيويته وجرسه وإيقاعه، ويصل إلى القارئ بوصفه تجربة قابلة للعيش والتأويل. يتجلّى هذا الذهب في قدرة الترجمة على إعادة جبران إلى العربية مع الاحتفاظ بأثر رحلته الإنجليزية، وجمع ذاكرة الكاتب الأولى بملامح اللغة التي تشكّل فيها النصّ.
خاتمة
تعيد ترجمة شاكر نوري وصل جبران بالقارئ العربي من خلال نصوص كتبت بالإنجليزية، وظلّت متصلة بالأفق الرمزي والوجداني الذي ارتبط باسم جبران في الثقافة العربية. يعيد هذا الفعل إدراج النصّ في سياق تلقّيه العربي، ويمنحه حضوراً جديداً في الذاكرة الأدبية.
تخزّن اللغة هذا المعنى عبر بناء نبرة عربية تحتضن التأمّل والقلق الوجودي في القصيدة.
يحضر هنا مفهوم «النظم» عند عبد القاهر الجرجاني. تتولّد بلاغة العبارة من العلاقات التي تنعقد بين مفرداتها داخل السياق.
على هذا الأساس تتجلّى قيمة الترجمة في قدرتها على إنشاء تركيب عربي يحقّق الأثر الشعري، ويقيم صلات حيّة بين الكلمات ومعانيها.
يكشف «والنبيّ قال» عن جبران شاعرًا يواجه العتمة، ويصوغ من هشاشته لغة للرجاء، ويمنح قارئه إمكان حياة متجدّدة. تتحوّل الهشاشة إلى قدرة على الإصغاء، ويصبح الجرح طريقاً إلى معرفة أعمق بالإنسان. تنشأ الحكمة من مسافة طويلة بين الحلم والواقع، وبين الأرض والروح، وبين النصّ الأصلي واللغة التي تستقبله.
يبقى السؤال مفتوحاً: كيف تتحوّل الهشاشة إلى قدرة على الإصغاء للآخر؟ وكيف يغدو الجرح طريقاً إلى معرفة أعمق بالإنسان؟
لعلّ هذا السؤال هو ما يضمن استمرار جبران في الكتابة داخلنا كلّما انتقل نصّه من ذاكرة إلى أخرى، ومن لغة إلى لغة.
صوت جبران النبويّ في كتاب “وقال النبي”. د.ميرنا الشويري

أهمّ عنصر في الفلسفة الجبرانية هو الصوت النبويّ الذي يتجلّى في الكثير من كتبه، وخاصة النبيّ، ويسوع ابن الانسان، وكتابه الجديد “والنبي قال”. نبيّه يشكّ في الكثير من القيم الموروثة، ويهدمها، لذلك يمكن قراءة هذا الصوت من خلال التمرّد النيتشوي على كلّ القيم الموروثة.
يدعو السوبرمان النيتشوي إلى خلق إنسان ذي صفات جديدة، أهمّها الخروج عن القطيع، وجبران كذلك، لكن نبيّه يدعو إلى خلق كيان روحي جديد. لذلك تهدف هذه الدراسة إلى الكشف عن كيفية تجاوز جبران الفردانية النيتشوية إلى روحانية جلال الدين الرومي، ومحورها الحبّ، وفناء الذات.
يؤكّد السوبرمان النيتشوي أنّ الإنسان قادر على أن يتحرّر من القطيع، لكن هذا لا يعني أنّها عملية سهلة، لأنّ القطيع لن يتركه بسلام، فيقول:
“أتريد أن تذهب إلى العزلة، يا أخي؟ أتريد أن تبحث عن الطريق إلى نفسك؟ سيظلّ صوت القطيع يتردّد فيك. “
(Nietzsche,5(
كلماته هذه تتقاطع مع النصّ الجبراني ” الفارق الجوهري بيني وبين الرجل الآخر يكمن في هذا: “أنا ألمح طيف وجهي وملامح روحي في مرآتي، بينما هو لا يرى إلّا صورة جاره.”(جبران،74 )
كلمات جبران تكشف عن التناقض بين الإنسان العبد الذي لا يرى نفسه إلّا بعيون الآخرين، والآخر الحرّ الذي بوعيه قادر على أن يرى حقيقة ذاته، وهكذا يتخلّص الإنسان من الاغتراب الذاتي.
في هذا السياق يقول سارتر إنّ الآخر يشكّل تهديدًا لحرّيتنا، لأنّه عندما يعرفنا فهو يشيئنا. بالنسبة له لا قيمة للإنسان دون المجتمع، فنحن مرآة تعكس تعريف المجتمع لنا ….
لكن جبران بعكس سارتر الذي يلغي دور الإرادة يؤكّد أنّ الإنسان بوعيه قادر على أن يتخلّص من سلطة الآخر.
جبران لا يكتفي بالتحرّر النيتشوي من الجماعة، بل يسعى إلى التحرّر أيضًا من العالم المادّي:
” الحمد والشكر لربّ الوجود، لا نملك من حطام الدنيا شيئًا، وليس هناك مَن يملكنا، أو يأسر أرواحنا “.(جبران، 75)
إذًا التحرّر الذي يسعى إليه جبران لا يتجاوز فردانية نيتشه فقط، بل هو دعوة إلى تجاوز الأنا، وضرورة السؤال: كيف نوظّف هذا التحرّر في خلق روح جديدة؟
والروح بالنسبة له تكشف بعد الموت كلّ الأسرار، والموت طقس عبور، فيطلب من الناس أن يشعلوا الشموع. ويبرز تعظيم جبران للروح عندما يقول: “إنّ الأرواح شعل سماوية لافحة من نار ونور، وجوهر الإنسان هو الروح”. ويهاجم عبيد المادّة:” ما أغرب أجسادكم البالية “. (جبران، 83)
فالروح لا حدود لها، ولكنّ الإنسان بتعلّقه بالمادّة يحدّ نفسه.
هنا يلتقي جبران مع الرومي في دعوته إلى التحرّر من المادّة، والطريق هو الذوبان في حبّ الله:
“كنت ميتًا والآن أنا حيّ
كنت غارقًا في الدموع، والآن أنا أضحك
قوة المحبّة جرفت روحي
وها قد أصبحت تلك الروح الأبدية. (الرومي، 1968، القصيدة 170؛ ترجمة عربية بتصرّف)
الحبّ بالنسبة للرومي ليس علاقات عابرة، لكنّه قوة لا مثيل لها تحرق الذات فتطهّرها. جبران أيضًا يعظّم الحبّ، فيصف قلب المحبّ ب” المترع بالحبّ “، ويده ” ملأى بالخيرات “، ومن خلال الحبّ الإنسان قادر على أن يتجاوز حدود الأنا.
يحدّد نيتشه في (هكذا تكلّم زرادشت) المراحل التي يجب أن يجتازها الإنسان حتى يتحول إلى سوبرمان، أيْ قمّة الرقي الإنساني. هذه المراحل هي:
الجمل ثمّ الأسد، والأخيرة هي الطفل. يقول نيتشه إنّ الجمل بصبره يشبه الأبطال: “قولوا للروح التي تريد أن تتعلّم الصبر أن تركع مثل الجمل مبدية استعدادها لأن تحمل الكثير.” (Nietzsche, 5(
أمّا المرحلة الثانية فهي الأسد، لأنّه يملك الإرادة، وبالتالي يتحكّم بمصيره، فيسيطر على الصحراء. لكن اللافت أنّ نيتشه يؤكّد أنّ المرحلة الأخيرة هي الطفل، لأنّ براءته تقدّم له الحرّية من كلّ التجارب المؤلمة.
أمّا جبران فيقول: ” كثيرًا ما أمضي زائرًا إلى صومعة الغد المحجوبة، ومن نوافذها الشامخة يتراءى لي يومي الحاضر جليًّا ناصعًا مثل أمسي الراحل …. هناك بعيدًا بشر يجهدون أنفسهم في فكّ طلاسم الماضي، وهناك أيضًا بشر يحاولون صياغة الغد وقولبته.” (جبران، 80)
مع أنّ جبران كنيتشه يدعو الى التحرّر من الماضي، لكنّه لا يتفق مع فردانية نيتشه التي محورها خلق الإنسان المتفوّق أي السوبرمان.
أمّا بالنسبة لجبران فإنّ الإنسان يجب أن يعمل في حاضره، ليحقّق أرقى نسخة من إنسانيته، فتتقاطع أفكاره مع الرومي:” ومن يسكنه نور الله لا شأن له بالماضي أو المستقبل أو الحاضر. ” (الرومي،63).
فالزمن لرومي وجبران غير مهمّ، بل الأهمّ هو التحرّر من قيود هذا العالم، والسعي إلى بلوغ حالة من قمّة الصفاء الروحي.
يتميّز صوت جبران النبويّ بالثورة على القيم الموروثة، وعلى الأنا ليخلق كيانًا روحيًّا جديدًا يتصل بالكون، وعلى الرغم من أنّ أفكاره تتقاطع مع السوبرمان النيتشوي فإنّه كأنبياء لبنان -وأهمّهم أمين الريحاني- يدعو إلى خلق إنسان متفوّق على نفسه، له أبعاد روحية، لذلك نبيّ جبران أكثر إنسانية من السوبرمان الأوروبي، وربما اليوم في هذا التصادم بين الشرق و الغرب نحتاج إلى صوت جبران، ليذكر الغرب بأنّه يغرق في المادّية، و يدعو الشرق إلى التعلّق بجوهر الأديان لا بالطقوس.
جبران، خليل جبران. (2026). والنبي قال… قصائد مجهولة لجبران خليل جبران تُنشر بالعربية للمرة الأولى (دالتون في. أينهورن، محرّر؛ شاكر نوري، مترجم). دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر
Nietzsche, F. (1995). Thus spoke Zarathustra: A book for all and none (W. Kaufmann, Trans.). Modern Library. (Original work published 1883–1885).
Rumi, J. (1925–1940). The Mathnawí of Jalálu’ddín Rúmí (R. A. Nicholson, Trans.). Luzac & Co.
Rumi, J. (1968). Mystical poems of Rumi: First selection, poems 1–200 (A. J. Arberry, Trans.). University of Chicago Press.
Sartre, J.-P. (1956). Being and nothingness: An essay on phenomenological ontology (H. E. Barnes, Trans.). Philosophical Library. (Original work published 1943).
الشاعر جميل داري

جبرانُ، أيُّ نبيٍّ أنتَ، جبرانُ تجمَّعَ الإنسُ في عينيكَ والجانُ
ما زلتَ حيًّا تهزُّ الحبَّ في دمِنا تحيي المواتَ، فكلُّ الأرضِ بستانُ
آمنتُ بالفنِّ مصباحًا وبوصلةً وأنتَ أنتَ نبيُّ الفنِّ، فنّانُ
جبران خليل جبران المصباح المنير الذي أنار السماء الدنيا كلّها بكتبه الكثيرة التي أنجزها على الرغم من عمره القصيرة 48 عامًا.
إنّه الأديب والشاعر والفيلسوف والرسّام والعاشق الأكثر شهرة عربيا وعالميا.
كتبه المؤلفة باللغة الإنجليزية ترجمت مرارًا عل يد العشرات من المترجمين إلى اللغة العربية واللغات العالمية، ومنها كتاب (النبي) الذي ترجمه الى العربية خيرة المترجمين العرب. منهم:
ميخائيل نعيمة1956
أنطونيوس بشير 1926
ثروت عكاشة 1959
يوسف الخال 1968
سركون بولص
وقد كان ثمّة اختلاف في درجات جماليات الترجمة، ويبدو لي أنّ أجملها هي لصديق عمره ناسك الشخروب ميخائيل نعيمة.
بين يدينا الآن كتابه الجديد (وقال النبيّ) الذي اكتُشف منذ سنوات قليلة في أمريكا، وعثر عليه مصادفة المبدع الدكتور شاكر نوري المعروف بترجماته الأمينة والدقيقة التي تعبّر عن روح النصّ، وأبعاده النفسية والفكرية والإنسانية.
وأنا أقرأ ترجمة الدكتور شاكر تذكّرت ما كتبه نعيمة عن ترجمته النبي لجبران.
يرى نعيمة أنّ الترجمة ليس نقل كلمة إنجليزية إلى كلمة تقابلها في العربية، بل على المترجم أن يتفهّم فوق ذلك ألوان المعاني التي أودعها جبران تلك الكلمة، والتي ليست لها في القاموس.
كان جبران يضحّي بالمعنى في سبيل اللحن واللون، وهذه الألوان الشفافة والألحان الشاردة قلما يتوفّق المترجم إلى نقلها.
يختم مقدّمته: “وأنا إذ أقدّم إليك هذه الترجمة لا أقدّم إليك ظلًّا من ظلال نبيّ جبران، بل أقدّمه في ظلاله وأنواره، وبلحمه ودمه” 1956.
مقدّمة شاكر نوري “ماري هاسكل الملاك الحارس في ملكوت جبران”
يتحدّث عن دهاليز اكتشاف الكتاب متغلغلًا في عوالم جبران بلغة شاعرية قريبة من أسلوب جبران نفسه، وهذا يدلّ على كثرة اطلاعه على مؤلّفات جبران العربية والإنجليزية.
الدكتور شاكر يضيق ذرعًا بالترجمة الحرفية والمعجمية والشكلية، فتراه يستخدم العبارات الأقرب الى الروح الجبرانية التي تحلّق بعيدًا.
ينفخ في العبارة من روحه وروح جبران، فكأنّه ثمل بالأسلوب الجبراني وفكره وتصوّفه ورمزيته التي تنطلق انطلاق الفنيق من رماد الزمن.
يقول جبران في (وقال النبي):
انبعثْنا كضبابٍ،
ومضَينا كغيمةٍ شاردة،
الأولُ خَلَا من قطراتِ الندى،
والأخرى جفَّتْ من كلِّ غيثٍ أو مطر
قد يكون المعنى ضبابيًّا وغائمًا هنا، لكن ما لا خلاف حوله هو هذا الجرْس الموسيقي في العبارات حتى كأنّ جبران نفسه كتبها بالعربية.
لجبران كتاب من الشعر الموزون هو (المواكب) فيه القليل من الشعر كأبياته المغنّاة: أعطِني النايّ وغنِّ، ما عدا ذلك نظم رتيب لا قيمة فنّية له بينما تتجلّى شاعريته في نثره، وهذا يعني عندي أنّ الوزن لا يصنع شعرًا، بل نظمًا.
ولع جبران بهذه العناوين: النبيّ 1923، حديقة النبيّ 1933 بعد وفاته، وقال النبيّ بعد وفاته 2017.يبدو لي أنّه النبيّ الأرضي الأكثر أنصارًا.
في بحثه الدؤوب عن النور يقول:
وهناكَ، في ذلكَ المدى النورانيّ، سأعثرُ على روحي المفقودة
إنّه يضيق ذرعًا بكلِّ شيء يقيّد الروح، ويضيّق عليها سبل البحث عن الخلاص من ظلام العالم، فروحه ضائعة، وهو واثق أنّه في ملكوت الخلود.
وهو حين يبحث عن روحه التائهة لا ينسى أن يبحث عن الحبِّ أيضًا، فالروح والحبّ جناحاه في التحليق نحو الأبدية.
والآن، في صحوتي الروحية، أدركُ أنّ ذلكَ الاندفاعَ لم يكن سوى
قلبكِ الظامئ وهو يبحثُ عن الحبّ
فقد غرقتْ روحي، وثملتْ بفيوضِ الحبّ
ومَن يعشقِ النورَ فسيبادلُه النورُ حبًّا بحبّ
د شاكر كجبران يعشق النور الذي يبادله الحبّ مهما استبدّ الضباب والغيم، فجبران الهشّ جسدًا قويّ الشكيمة، لا تلين له قناة في مواجهة ظلم العالم وظلامه.
(وقال النبيّ) هو استمرار لنهج جبران وأسلوبه الذي يشطح به الخيال إلى عالم بعيد عن الجسد، فالروح الجبرانية لا تفارقه في حلّه وترحاله.
كان عمره قصيرًا كعمر الورد، لكنّه كان أطول من عمر نوح إبداعًا وعطاء.
وما كان جبران يعجز عنه كتابة يعوّض عنه بالرسم، رسم أجسادًا بشرية عارية لا ندري أهي للرجال أم النساء، ذلك أنّ الانسان يولد عاريًا، ويُدفن عاريًا، نصيبه من الدنيا نصيب المتنبي من حبيب:
نَصيبُكَ في مَنامِكَ مِن خَيالِ نَصيبُكَ في حَياتِكَ مِن حَبيبٍ
جاءت العبارة التالية في نصّه (جمال الموت) 1908
أنشدوا أغنية الرحاوي
وقد شرحها المترجم هكذا:
الرحاوي ، أو الرحى، هي صرخةُ الصبِر المحوّلة إلى لحن، وهي محاولةٌ
لتحويل الطحن القاسي إلى لحنٍ يواسي الروح، فكأنّ الإنسان يطحنُ الحزنَ
ليصنع منه رغيفَ أمل.
…
الجزءُ الثاني
أقوالٌ مأثورة، وحكمٌ منثورة:
جبران في كلّ كتاباته حكيم حكمة أحيقار في نصائحه الخالدة:
1-إنّ الداءَ العضالَ الذي ينخرُ في جسدِ الأمّة، إنما يكمنُ في ذلك
المرءِ الذي لا يبذرُ في الأرضِ حبّة، ولا يرفعُ في البنيانِ حجرًا فوق
حجر، ولا يغزلُ ثوبًا ليدفئَ عاريًا، ولكنّه يجهدُ نفسه بالخوضِ
في دهاليزِ السياسة، والتشدّقِ بالخطبِ الرنانةِ الجوفاء.
2-ثمّة سرّ خفيّ وسحر في العطاءِ والمنح، هو أسمى وأعظمُ من
العطاءِ ذاته.
3-لقد علّمني اللصوصُ الذينَ عاشرتهم، وعشتُ بينهم أصولَ الحسابِ والرياضيات،
فكان لزامًا عليّ أنْ أعدَّ أصابعَ كفّي بعدَ كلّ مرة أصافحُهم فيها.
…
الجزءُ الثالث
مسوداتٌ وفقراتٌ وشواهدُ من آلهةِ الأرض
قال جبران عن كتابه (النبيّ):
“هذا الكتاب يُمثّل ولادتي الثانية، كُلّ كياني وضعته في كتاب (النبيّ)”.
من أقواله هنا:
من نقَّب، وبحث، ثمّ كتب فهو رُبع كاتب، ومن رأى، ووصف فهو نصف كاتب، ومن شعر، وأبلغ الناس شعوره فهو الكاتب كلّه.



