همسة

مقالات مختارة : قراءة في ” كرسي على الزبد” للشاعر محمد علي شمس الدين بقلم : عمر شبلي

قراءة في ” كرسي على الزبد” للشاعر محمد علي شمس الدين
بقلم : عمر شبلي


نقلا عن مجلة المنافذ الثقافية

” ان الانسان السعيد قد فقد توتر روحه” ( سارتر)
1أصبت برجفة وانا أقرأ عنوان هذه المجموعة الشعرية لشاعرنا الكبير محمد علي شمس الدين. لقد خفت من دلالات العنوان وسيميائيته. العنوان يوحي بلا جدوى الوجود وعبثيته واستسلامه لقدرية لا يشبهها الا الموت ولعصفورة سماها” الحياة” طارت ولم تعد. ومع ذلك ظللت اتساءل : هل يمكن ان يكون المركب غريبا في البحر وهو ممتلئ بالحياة. كان هذا التساؤل يردني الى ما سبق من شعر محمد علي شمس الدين وانا اقرأ ديوان ” كرسي على الزبد” ورحت أتساءل اذا كان كل ما في الحياة كرسيا على زبد… فلماذا نبتت جوانح لهذه العصفورة / الحياة.. لقد يئس من الحمامة وطلب منها ” لا تنزلي / وظلي طويلا هناك /.” بينما ظل هو ” جالسا على مقعد فوق هذا الجسد / وأصغيت… كانت على البحر تطفو مراكب مهجورة /….. وناديت طيري الغريب ليأتي …. ولكنه ظل يمضي على صفحة الماء ظلا كئيبا.. غريبا….. مريبا… ومنسحبا كاعتذار نقدمه للحياة” ( كرسي على الزبد ص 10/11).
المناجاة هنا مملوءة بالشعر ومملوءة بحكمة السفر في هذا البحر الذي لا تهدأ عواصفه ولا تمل امواجه من محاولة الصراع مع هدوء السواحل. وتساءلت أيضا هل قصائد” كرسي على الزبد ” منسحبة من تلك الشراسة التي كانت تلتهم اوراق قصائد شاعرنا محمد علي شمس الدين وحين دخلت في حكمة التجربة أدركت أن ارتباكي كان وهما عابرا أمام الروح العميقة التي تتحرك في ما ظننته خريفا وفسر لي إن تساقط إوراق الخريف هي مراثي هذا الكون وعرفت من هذه المراثي أن شاعرنا محمد علي شمس الدين كان يدخل في مرثاة طويلة وهو يرى رماد ما أحرقته أعمارنا. الخريف في هذا الديوان ليس خريفا يبابا وانما هو روح العري التي نرى جمالها بوضوح في هذا الخريف الخصب. المتكلم بعريه والكاشف حدسيا معنى الحياة والموت من هذا الخريف الممرع روحا ورؤيا ورؤية. وأروع الشعر هو الذي يجعلك ترى إعمق الجمال في هذا العري الكوني الايل الى زوال والذي ترصده يراعة شاعر مقتدر استطاع برثاء الحياة ان يدخلنا الى حقيقتها ويرينا أن الحزن الذي أنتجه عري الخريف هو مكتشف الجمال الذي في نهايته يتسامى على الموت بما يوحيه لنا. الحزن والتوتر هما عنصرا تكوين هذا الجمال الخالد
هنا نستطيع ان نرى في العري كساء لسوءة هذا الكون. انه يعري الحياة من قشورها لتظهر على حقيقتها بلا براقع وبلا أقنعة. ان سفر الحياة في هذا الاعتذار الذي نقدمه لها هو اعتذار مملوء برثاء يحنو على الرماد الكوني الذي هو الباقي من نار الحيوات المشتعلة. خريف محمد علي شمس الدين خريف حميم وحكيم يفقه حكمة الوجود. وهو خريف ولود باكتشاف الجمال الذي هو فرح رغم الحزن. الخريف يؤمن بالنهايات المرتقبة انه يرثي الحياة لتسلم حكمتها من خلال هذا الجمال الذي هو وحده الذي لا يموت. ويغرينا بهذه العصفورة / الحياة. والاعجب المثري في ” كرسي على الزبد” ان رحلة الموت تضمر الحياة في دورتها التي لا تنتهي.. ” حاولي ان تطيري ولو لحظة في الكتاب / حاولي ان تكوني على الارض سطرا بلا اخر وخيطا لافصل فيه المدى عن اخيه الردى / “….. ماذا يقول هذا الرثاء….. انه يبني الحياة نفسها.. والشاعر هنا يرجو العصفورة / الحياة ان تتحول الى كلمة والكلمة يجب ان تكون حميمة لتضمن بجمالها سيطرة الحياة على الفناء… وتتكرر لفظة” حاولي ” لتثبت الرحاء المولع والمعبر عن تعلقنا بالحياة. ان المدى في هذه القصيدة لا يلغي الردى ولكنه يبعده عن العدم. وضمير المتكلم هو تفسير رجاء الشاعر كي تظل للعصفورة / الحياة مصونة وغير مستسلمة لوجع المراثي… والذي يقرإ الشعر العربي يجد ان الرثاء هو ارقى نماذجه لان اناسا كثيرين في التاريخ عاشوا بموتهم وعرفنا بهم موتهم.. لقد رثى الشاعر ابو تمام محمدا بن حميد الطوسي بقصيدة مشهورة ” كذا فليجل الخطب وليفدح الامر……” فقالت العرب ما مات من رثي بهذا الشعر
وهذا يعني ان المراثي هي حياة بما تكتنزه من عواطف ملتهبة ومن معان تغوص الى اعمق ما تعنيه الحياة وتجاربها.”

هذه ثلاث صفحات من البحث العميق والمتبحر. الذي قام به الشاعر والباحث عمر شبلي في ديوان ” كرسي على الزبد” وهو في41 صفحة من المجلة. نواة كتاب على حدة لانه يتطرق فيه الى مقارنة ضافية ببن” كرسي على الزبد ” وقصيدة ت. س. اليوت ” الارض الخراب “. وهو نقد مقارن ومعرفي متطور طالما مارسه عمر شبلي في ابحاثه والفقرة الاخيرة من البحث هي : “. كلما لاح لي قمر اصفر الوجه والساعدين على جبل الشيخ يدنو / ارى ظله ينطوي خلف سر قديم / على جبل الشيخ ملقى و” هابيل” تبكي عليه دموع السماء” ( كرسي على الزبد ص165 )
في كرسيه على الزبد يظل محمد علي شمس الدين خارج الزبد مراقبا ومنتعلا ظل ذاته وانتعال الظل قدر لا مناص منه ولكن هل يمكن مفارقة الظل.. وحين نسأل افلاطون يخبرنا اننا نحن الظل والحقيقة ابعد من ان نكونها ما دمنا نزجي خطانا في رحلة الغياب. ولكن هل يستمر الغياب. هنا تصبح الاسئلة محاولة للتخلص من الخوف الساكن في صلصال من حمإ مسنون. كما يرى الشاعر ت. س. اليوت ” لسوف اريك الخوف في حفنة من تراب” فالطين سجن الروح والسجن دائما مسكون بالخوف ويبقى فينا هذا الخوف ما بقينا من سكان هذا الطين. والطين هذا ليس الحقيقة. ربما كان دربا اليها
كتبت ” جودي ديرميت” احدى المشاركات في فريق البحث حول اليوت ان تشظي اللغة والصورة والرؤية الذي كان غريبا وغير مإلوف في البداية حين كتب اليوت قصيدته اصبح اسلوبا مألوفا وسائدا في عالم الفن والادب ولم يعد احد يتصور هذه المبتكرات شيئا اخر سوى انها طبيعية مهما تطرفت.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى