أدب وفن

رُؤيةٌ مختلفةٌ إلى إِرْهاصاتِ النَّهضَةِ فِي الشِّعرِ العربيِّ في القَرْنِ التَّاسِع عَشَر (الحلقة الثَّالِثَة) إرهاصاتٌ عامَّةٌ


الدكتور وجيه فانوس
دكتوراه في النقد الأدبي من جامعة أكسفورد

أ – بدايات تأسيسيَّة
شَهِدَت العقودُ الأولى مِن القرنِ التَّاسِعِ عشرِ الميلاديِّ، بداياتٌ بارِزةٌ، وإِنْ بطيئةٌ، في مجالات التحوُّل؛ ولعلَّ أبرز معالم هذه البدايات، ما تَمَثَّلَ في اهتمامِ بعضِ السَّلاطينِ العُثمانيين بإصلاحِ أحوالِ الدَّولةِ، انطلاقاً مِن إصلاحِ الجيش. لقد كانَ إنشاءُ هؤلاءِ السَّلاطين لِما عُرِفَ، عَهْدَ ذاكَ، بـ”المَكاتِب”، وهِيَ مدارسٌ عسكريَّةٌ وطبيَّةٌ عاليةٌ؛ كانَ يعملُ في رِحابِها عددٌ مِن المدرِّسين الأوروبيين، فضلاً عَن مُدرِّسين أتراكٍ، تخرَّجوا مِن معاهد علميَّةٍ في أوروبا. وكانَ لِبَعْضِ العربِ، الوافدين مِن الولاياتِ العَرَبِيَّةِ، في السَّلطنةِ العُثمانِيَّةِ، حَظُّ الالتحاقِ بِبَعْضِ هذهِ “المكاتِب”. ومِن جِهةٍ أُخرى، فقد أُتيحَ لبعضِ المفكِّرين والأدباء الأتراك، مِن أصحابِ الأفكارِ الحديثةِ والآراءِ السِّياسيَّةِ المُعاصِرَةِ، أنْ يجولوا في بعضِ الولاياتِ العَرَبِيَّةِ، ويُذيعوا أفكارَهم في مُدُنٍ عربيَّةٍ مِنها “حلب” و”البصرة” و”دمشق” و”بيروت”.


ب – عرضٌ مُجْمَلٌ:
i. الجزيرة العَرَبِيَّة
انطلقت من الجزيرة العَرَبِيَّة دعوة محمَّد بن عبد الوهاب، ساعية إلى إصلاحات شاملة في مجالات العقيدة الدِّينية وما يتبعها من مناحي الفكر العام والعيش الاجتماعي؛ كما عرفت مناطق الجزيرة العَرَبِيَّة شعراء من أبنائها كان لهم، بسبب رحلاتهم وجولاتهم وذيوع صيتهم في أرجاء الجزيرة، أن ساهموا في نشر ألوية تجربتهم الشِّعريَّة؛ ويذكر من هؤلاء الشعراء عبد الجليل الطباطبائي، البصري المولد، والشيخ إبراهيم بن محمد الخليفة والشيخ سلمان التاجر (آل نشرة) والشيخ محمد بن عيسى الخليفة من البحرين وسالم بن علي العويس من ما يعرف اليوم بالإمارات العَرَبِيَّة المتَّحدة، ناهيك بخالد عبدالله العدساني وعبد الله الفرج من الكويت ؛ ثم تبعهم، في وقت لاحق، إبراهيم الأسكوبي من الحجاز. كما كان لبعض مناطق الجزيرة أن شهدت تأسيساً لمدارس تعليميَّة، مثل مدرسة “الصولتيَّة” و”المدرسة الفخريَّة” في مكَّة المكرَّمة، ناهيك بمدرسة “الفلاح” في جَّدة.

كما كان ثمَّة مطابع من أشهرها ما أسسته الدولة العثمانية في صنعاء والحجاز ومطابع أخرى أسسها بعض الأهالي في جدَّة. وكان ثمَّة مكتبات عامَّة من أهمها مكتبة “خزانة الكتب” في الحرم المكِّي الشَّريف و مكتبة الشيخ عارف حكمت في المدينة المنوَّرة.
ii. بلاد الرَّافدين
يبدو أنَّ بلاد الرَّافدين شهدت في القرن التَّاسِع عشر خمولاً كاد يشل التقدُّم في الحركة الثقافية العامَّة فيها، وضعفاً حجب الإبداع الأدبي والتجديد في الشِّعر. ولعلَّ افتقار هذه المرحلة، من التاريخ الثقافي والأدبي للعراق، إلى الأحداث الكبيرة والأسماء البارزة المجدِّدة أو الساعية إلى التجديد في ميادين الحياة عامَّة، وخاصة في مجالات الفكر والأدب، كان من أهم مظاهر هذا الوهن الذي أصاب الحياة الشِّعرية في العراق زمنذاك. وهكذا، وكما يذكر بعض الباحثين في تاريخ هذه المرحلة من حياة العراق، كان الشِّعر العراقي يشهد واقعاً موغلاً في عتمته وتخلفه لغة وإيقاعاً وموضوعات . وثمَّة من الدارسين من يرى أن الشِّعر العراقي لم يشهد، في هذه الحقبة من تاريخه، أحداثاً كبيرة؛ فكان “يُكْتَبُ على هامش حياة بطيئة خاملة، وكان في معظمه، نصوصاً تقليدية تخلو من هموم الناس وملامح حياتهم الضيقة، وتنحــاز إلى الحكام والولاة والوجهاء” .
iii. بلاد الشَّام
نشط الاهتمام بإنشاء المدارس والطابع والصحف في بلاد الشَّام؛ وقد انتشرت المدارس، المحليَّة منها والتبشيريَّة بكثرة؛ وكان لبعض هذه المدارس، وخاصَّة التبشيريَّة منها، أن ساهمت في تعريف، طلابها والمتعاملين معها، إلى كثير من العلوم الحديثة والآراء المتعلقة بالثورتين الفرنسية والأميركية. ورافق هذا كله مساع حثيثة قام بها قناصل الدول الأوروبية المختلفة لإنشاء جسور من العلاقات والمصالح المتعددة والمنوعة بين بلادهم وناس هذه البلاد. وكان نتيجة هذا كله استعدادات واضحة لدى كثير من ناس البلاد للتفاعل الإيجابي أو السَّلبي مع هذه الأمور التي شكَّلت جزءاً أساسيَّاً من طبيعة الحياة الاجتماعية والثقافية في هذه البقعة من بلاد العرب.


iv. بلاد النِّيل
كان من آثار حملة نابليون بونابرت على مصر أن أتاحت لبعض المصريين فرصة الاطِّلاع على آفاق معرفيَّة وفكريَّة وثقافيَّة جديدة من خارج الحدود الجغرافيَّة والفكريَّة التي ألفوها، فقاموا بعرضها، تاليا على نخب من طلابهم ومريديهم في مصر. ومن جهة أخرى، فقد كان لجهود محمَّد علي الكبير في تعريف المصريين على نُظُمِ التَّعليم في الغرب ومفاهيمه، عبر إرسال البعثات العلميَّة إلى أوروبا وإنشاء المدارس في البلاد، دوراً بارزاً في هذا المجال .


v. المغرب
أُنشئ في المحمَّديَّة في تونس، في وقت متأخِّر من هذه المرحلة، زمن أحمد باي،

مكتب العلوم الحربيَّة، أو ما كان يعرف بـ”مكتب المهندسين”؛ وكان هذا المكتب يعمل بإشراف خير الدين التونسي، وبإدارة شخص إيطالي، كما كان من أساتذة هذا المكتب إيطاليون وفرنسيون وبريطانيون. ومن أبرز نشاطات هذا المكتب أن جهازه التَّعليمي قام، بالتَّعاون مع نخبة من طلابه، بوضع ملخَّصات باللُّغَة العَرَبِيَّة لدروس الأساتذة الأجانب فيه، بلغ عددها حوالي الأربعين ملخَّصا . وكان لليبيا، أن تشهد إبَّان هذه المرحلة من النصف الأوَّل للقرن التَّاسِع عشر، وإن باتِّجاه إحيائي سلفي نحو الثقافة الإسلاميَّة لا الغربيَّة، بناء الزَّاوية السنوسيَّة الأولى في حاضرة البيضا، ونهوض منطقة “الجغبوب” مركزاً رئيسيا من مراكز التَّعليم الإسلامي في شمال أفريقيا. أمَّا الجزائر، فقد رزحت تحت الاحتلال والحكم الفرنسيين منذ بداية العقد الثالث للقرن التَّاسِع عشر، فكان سعي لخنق ما هو عربي فيها؛ في حين أنَّ الاضطرابات الداخليَّة شغلت المغرب عن التجربة المشرقيَّة في التعرُّف على بذور النَّهضة، فلم يكن لناسه سوى بعض تجارب إحياء سلفي إسلامي لعل من أبرزها ما كان على يد المولى سليمان.
ومع كل هذا، فقد عرفت هذه الحقبة من التَّاريخ أُناساً شكَّلوا بجهودهم ريادات واضحة في مجالات العيش العربي في القرن التَّاسِع عشر، فكان منهم الإحيائي والإصلاحي والتَّغييري والتجديدي ناهيك بالثَّوري.


ج – شخصِيَّات
إضافة إلى ما قامت به دعوة “محمَّد بن عبد الوهَّاب”، انطلاقاً من أرض الجزيرة العَرَبِيَّة؛ فقد عرفت تونس، “خير الدِّين التُّونسي” وجهوده الإصلاحيَّة والتَّنظيميَّة، ومساعيه نحو معاصرةٍ ما للحياة في أوروبا ، أقلَّه في مجالات التنظيمات الإدارية؛ كما كان كان الشيخ “محمود قبادو” من رجال النَّهضة التُّونسيَّة في القرن الماضي، لا من حيث أنَّه شاعر فحسب، ولكن من حيث أنَّه مفكِّر كبير. وعرفت ليبيا جهود “محمَّد بن علي السَّنوسي”؛ الذي انطلق من مستغانم في الجزائر، ليحطَّ رحال نشاطه الإحيائي في ليبيا .

وعرفت الجزائر فكر الأمير “عبد القادر الجزائري” وثورته على الاحتلال وتفاعله الإيجابي مع ما رآه خيراً لأمَّته؛ مِمَّا كان يفد على ناسها من الغرب . وعرفت المغرب “أبو القاسم الزَّياني”، الذي قدَّم عبر كتابته في أدب الرِّحلة ، أنموذجا طيِّبا لما يمكن أن يشكِّل نواة أولى لأدب السِّيرة الذاتيَّة في تلك الحقبة من تاريخ الأدب العربي. وعرفت مصر “رفاعة رافع الطهطاوي” و”محمود سامي البارودي”، وسواهما مِمَّن خاضوا غمار التَّطوير الفكري والثَّقافي ومناحي التَّجديد في الثَّقافة والأدب . وشهدت السُّودان لبدايات الحركة المهديَّة وجهود “محمد أحمد بن عبد الله” في التَّأسيس لها وقيادة النَّاس من خلال مفاهيمها. كما عرفت بلاد الشَّام محاولات “ناصيف اليازجي” و”يوسف الأسير” و”إبراهيم الأحدب”، في مجالات الإحياء والسَّعي إلى بعض التَّجديد الأدبي؛ وشهدت، كذلك، لمساعي “بطرس البستاني” في الصَّحافة والتَّأليف الموسوعي والمعجمي؛ ناهيك بـ”أحمد فارس الشِّدياق”، الذي شكَّل جذوة ثوريَّة، تنطلق من بلاد الشَّام إلى مصر ومالطا فتونس، ومن ثمَّ إلى أوروبا وصولاً إلى الآستانة، ضدَّ ما رآه بالياً من تقاليد بعض رجال الدِّين المسيحيين والخمول الثَّقافيِّ للمجتمع؛ بدءاً بوضع الكُتب وتصنيفها وتأليفها والإشراف على حُسن لغتها العَرَبِيَّة ودقة طباعتها، مروراً بالتَّرجمة، وخاصَّة ترجمة التَّوراة، انتهاءً بتأسيس الصُّحف وإصدارها ونشر المخطوطات التُّراثيَّة وكتابةِ الأدب ونظم بعض الشِّعر .
وإلى اللِّقاء مع الحلقة المقبلة ” العوامل العامَّة للتوجُّه الشِّعري العربي في القرن التَّاسِع عشر”.

  • للتَّوسُّع في هذا الموضوع، ينظر:
    • عائشة عبد القادر الدَّباغ، الحركة الفكرية في حلب في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بيروت، 1972
  • راجع ترجمة الشاعر في مقدمة ديوانه (روض الخل والخليل) ط 3، منشورات المكتب الإسلامي بدمشق، 1964.
  • راجع كتاب حفيدة الشاعر مي محمد الخليفة مـع شـيخ الأدبـاء في البحرين، منشورات دار الـريس, لبنان، 1993.
  • ينظر:
     عواطف الصباح: الشِّعر الكويتي الحديث, جامعة الكويت 1973, ص ص 23 – 33 .
     خالد سعود الزيد: أدباء الكويت في قرنين (ثلاثة أجزاء)، المطبعة العصريَّة، 1967.
     أحمد الشرباصي: أيام الكويت. القاهرة, 1953.
     فاضل خلف: دراسات كويتية, الكويت 1968.
     مشاري عبد الله السجاري: الشعر الحديث في الكويت، وكالة المطبوعات. الكويت 1987 .
    ينظر في هذا المجال:
  • علي عباس علوان، تطور الشِّعر العربي الحديث: اتجاهات الرؤيا وجماليات النسيج، وزارة الإعلام، بغداد، د.ت. ص.ص.37-87
  • جلال الخياط، الشِّعر العراقي الحديث مرحلة وتطور، دار صادر، بيروت، 1970، ص11-33
  • إبراهيم الوائلي، الشِّعر السياسي العراقي في القرن التَّاسِع عشر، ط2، مطبعة المعارف، بغداد، 1978، ص.ص.276-313
  • إبراهيم الوائلي، الشِّعر السياسي العراقي في القرن التَّاسِع عشر، ص127، وأماكن أخرى
  • نقولا زيادة، الأعمال الكاملة-15 شاميات-دراسة في الحضارة والتاريخ، منشورات الأهلية للنشر والتوزيع، بيروت، 2002، صص. 234-235
  • زيادة، الأعمال الكاملة-15 شاميات، ص.227
  • زيادة، الأعمال الكاملة-15 شاميات، ص، 228
  • زيادة، الأعمال الكاملة-15 شاميات، ص.227
  • زيادة، الأعمال الكاملة-15 شاميات، ص.229
  • راجع، على سبيل المثال وليس الحصر:
    • نقولا زيادة، الأعمال الكاملة 8- تونس في عهد الحماية، الأهليَّة للنَّشر والتَّوزيع، بيروت 2002، ص.ص. 33-36
  • نقولا زيادة، الأعمال الكاملة 17- أفريقيَّات، الأهليَّة للنَّشر والتَّوزيع، بيروت 2002، ص.247
  • يُنظَر:
    • نقولا زيادة، الأعمال الكاملة 10- برقة الدولة العربية الثامنة، الأهليَّة للنَّشر والتَّوزيع، بيروت 2002، ص.ص.40-50
  • يُنظَر:
    • ناصر الدين سعيدوني،عصر الأمير عبد القادر الجزائري، مؤسسة البابطين، الكويت، 2000
  • يراجع كتابه: التُّرجمانة الكبرى في أخبار المعمور برَّاً وبَحرا، تحقيق عبد الكريم الفيلالي، منشورات وزارة الأنباء – الرباط، 1967
  • يراجع:
    • محمد عماره، رفاعة الطهطاوي-رائد التنوير في العهد الحديث، دار الوحدة، بيروت، 1984
    • سمير أبو حمدان، رفاعة رافع الطهطاوي-رائد التحديث الأوروبي في مصر، الشركة العالمية للكتاب، بيروت، 1992
    • حسين فوزي النجَّار، رفاعة الطهطاوي-رائد الفكر وإمام النهضة، الدار المصرية للتأليف والترجمة، القاهرة، لا.ت.
    • شوقي ضيف، البارودي-رائد الشعر الحديث، دار المعارف، القاهرة، 1964
    • نفوسة زكريا سعيد، البارودي-حياته وشعره، مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري، الكويت، 1992
    • خليل الموسى، البارودي رائد النهضة الشعرية الحديثة، دار ابن كثير، بيروت، 1999
  • كثيرة جدَّاً الدِّراسات والأبحاث التي تناولت أعمال هذه النخبة ونشاطاتها. يُنْظَر على سبيل المثال:
    • فايز علم الدين القيس، أثر المعلم بطرس البستاني في النهضة الوطنية في لبنان، دار الفارابي، بيروت، 2005
    • كمال اليازجي، رواد النهضة الأدبية في لبنان الحديث-1800-1900، مجلة الأبحاث، الجامعة الأميركية في بيروت، العدد 15، أيلول 1962
    • كمال اليازجي، الفنون الأدبية وأعلامها في النهضة العربية الحديثة، مجلة الأبحاث، الجامعة الأميركية في بيروت، العدد 16، كانون الأول 1962

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى