كان أبي قاسيا و جدا!…بقلم الروائي عمر سعيد

كان أبي قاسياً وجداً!
إلى درجة أني كنت أستطيع النوم فوق رمشه، وهو مستيقظ، وكلي ثقة أنه لن يحركه إلى أن أستيقظ.
كان لشدة قسوته يحب فصول السنة كلها.
كان إذا غنى حزنه، دندن بصوت مكتوم.
وإذا ما أراد أن يغني الفرح، صدح بصوت يشج الروح انتشاء.
لم أكبر إلا حين علمت أنه ما عاد بوسعي النوم فوق رمشه.
ندهته مرتين.. فقط مراين:
أبي.. أبي..
فلما لم يجب؛ نفضت عن عيوني نعاس السنين، وحملت جثته إكراماً لرمشه الذي حملني خمسة عقود، ومشيت..
مشيت لأني أدركت أن عليّ؛ أن أبدأ تعلم النوم مستيقظاً، وقد تطول الطريق.
لم يكن أبي من بناة المجد.
كان مجرد بناء، يبني بيوتاً بقدر الميزانيات التي وفرها أصحابها الذين استأجروه.
بيوت صغيرة، مجرد غرفة.. غرفتين.
يموت أصاحبها قبل أن يتمكنوا من اتمام تعفيشها.
بيوت كانت تُؤثث بالحب والآمال التي غالباً لا تتحقق.
إلى اليوم لا زال يأتيني في أحلامي، وقد أمسك شاكوشه الذي ما زال يطرق آخر مساميره في ذاكرتي المخلعة.
كان يغضب مني إذا حاولت التذكر أثناء بحثي عما سألني عنه.
لم أكن أحتاج ذاكرتي في حياته، فقد كان ذاكرتنا التي تجمعنا جميعاً بكل تفاصيلنا منذ الولادة حتى لحظة الرحيل..
لا زال أبي عالقاً في آخر ورشة بدأها، فقد غادر قبل أن يتم بناءها، وأنا لا أتقن اتمام ما بدأه أبي.
عمر سعيد /روائي لبناني
من رواية المُهرِّب.. رواية تحت الكتابة.




