أدب وفن

“أكتب” منذ كنت في رحم أمي / بقلم د. منى حلمى -مصر

                                            د . منى نوال حلمى / مصر

                                      

                                        ” أكتب ” منذ كنت فى رحم أمى

                       

       وحدها ، وهبتنى معنى حياتى ، وأمطرتنى بثمار الاستغناء عن ملذات

تنفر منها روحى ، ولا يعترف بها جسدى .

      هى المناعة ضد فتك فيروسات التهميش والسيطرة ،  تحمينى من هجوم  الأمراض ، وتفاهة العقول ، وهشاشة القلوب .

    وحدها ، صومعتى حينما يبخل الزمن بغطاء يدفئنى ، ولا أستطيع شراء مدفأة

تتناغم مع طول قامتى .

        شرنقة الأمان ، تشبع جوعى ، تروى ظمأى ، تسلينى ، تقوينى ، تؤنسنى ، تعزينى حينما لا يفيد العزاء ،  تعوضنى عن سرقة البيت ، والوطن ، والسطو المسلح على عمرى القصير .

        كلما التقيتها ، تكون ” ليلة زفاف ” ، على فارس وسيم الفكر والملامح والخلق والطباع ، لا يفض غشاء بكارتى  بالرجولة المضحكة الموروثة ، يرفض أن يسلم نفسه الى امرأة غيرى ، وتحت الأرض وفوقها يطالب بالغاء استثمار الانسان فى البشر . 

    وعدتنى أن تبقينى شامخة فى السماء ، لا أنكسر ، ولا أنهزم ، لا أجزع ، اذا منحتها أيامى المعدودة على الأرض .

     أهدتنى اسمى ، وعنوانى ، ولون عيونى ، وغجرية شعرى الأبيض ، وجواز

السفر الى خيال لا نهائى .  لا غيرها ، يبقى معى فى زمن الشيخوخة ، بعد رحيل أحبائى ، وتجاعيد المرآة المشروخة .

      ستكون وحدها ، ” العكاز” الوفى ، الذى يحمينى من السقوط ، يلتقطنى من الوقوع ، يبعد عن سحابات القنوط ، يعاشرنى دون قيد أو شروط .

       أمطرتنى بدلال سخى العطاء ، وبعد أن فقدت أمى ، أرضعتنى أمومة نادرة ، على صدرها أشكو ، وأبكى ، أصحو وأغفو . 

     عندما ألفظ أنفاسى الأخيرة ، ستكون هى الكفن الساتر اغترابى ، والقبر المحاط بالورود الصفراء التى أحبها ، والتراب الذى أخيرا ينهى أرق الليل ، ونومى المتقلب على الأشواك .

    ” الكتابة ” .. ما أروع أن تكون همى ، وشغفى ، وألمى وفرحتى . هى سريرى لا أحد يشاركنى على أرضه .     

       ” الكتابة ” بيتى لا أحد يستطيع احتلاله . جسدى يستحيل مصادرته ، وهى وطنى عصى المنال على اسقاط الجنسية .

      ما أجمل أن تكون «الكلمات» قَدَرى.. وطرقات اللغة بيتى.. ما ألذ أن أقضى العُمر، فى اصطياد «الكلمات»، لا العرسان.. وأن أجلس بالساعات أمام الصفحات البيضاء ، لألونها بخواطرى ، لا أمام المرآة ، أتجمل وأتعطر وأتزوق وأزيل الشَعر الزائد ، لارضاء رجل ،

أو إسعاد «زوج» ، أو أشارك فى التنافس المضحك الذى تمخض عنه فكر الذكور ، فيتكرم القدر ويمنحنى لقب ملكة العرب ، أو ملكة جمال كوكب الأرض، أتمختر وأتدلل على السجادة الحمراء ، وتنهال علىّ عقود التمثيل فى السينما وعروض الأزياء وتقديم برامج ساخنة فى الفضائيات، وعمل إعلانات الصابون والزيوت وكروت الشحن .

       ما أحلى أن أقوم بتفصيل «الكلمات» على مقاسى وذوقى ومواسم عواطفى وفصول أمزجتى «يرتديها الكون» ، يصبح أكثر بريقًا ، والهاما .

      يرسل امتنانه بارسال المزيد من ” باترونات ” الأبجدية .. يعدنى بتوفير جميع

«أقمشة » اللغة .

    لا أقوم بتفصيل ملابس لأطفال ، لا يحملون إلا اسم الأب ، ويلقون باسم الأم فى سلة النفايات والسخرية والعار. لكن لا بأس من شراء هدية مخادعة لها ، تنسيها مؤقتا ،

أن «تخرس»، حين يتكلم ذكر البيت المُهاب ، وأن عمرها ضاع هدرا ، بين روائح غرف النوم والمطبخ ، متظاهرة أن ” التضحية بالذات ” ، هى الفضيلة الكبرى ، جائزتها ” الجنة تحت أقدام الأمهات ” ، فى اليوم الآخر .

      ما أمتع اللحظات التى تأخذنى إلى «كلمات» تعرى الكذب.. تكشف الأوصياء على عقول وأجساد النساء ، لإطفاء شهوات مكبوتة، حيث إن الكبت من الثوابت التى ترسم هويتنا ، ومن الوفاء والواجب والأخلاق القويمة والرجولة ، أن نحرص على استمرارها وترميمها

وتبريرها .

        كم أنا محظوظة لأن « الكتابة »، هى طريقى المختصر للقفز فوق العبث ، واللاجدوى ، والعدمية . انتشلتنى من العفاريت والأشباح التى تسكن روحى ، وتشوش على بصيرتى . أخذت بيدى الى أفخر أنواع الزهد والاستغناء .

        شكلتنى «الكلمات»، وأنا جنين لم يتشكل بعد. ليس عندى أدنى شك أننى كتبت أول قصائدى ، وأنا داخل رحم أمى .

    حينما كنت أرفض الطعام ، وأواصل البكاء ، وأظل ” أحرك وأفرك ” ، كانت

أمى تسرع وتحضر لى ما يسكتنى ويهدئنى ويجفف دموعى . ليس عروسة بلهاء لأتدرب على الأمومة المقدسة التى لا أحبها ولا أقدسها.. وليست لعبة ذكورية تمهدنى لأصبح فى عصمة رجل يقدس الطاعة . لم تكن تقوم بتلك الحركات البهلوانية المضحكة المبرمجة  التى تعجب الأطفال . لكنها تسرع وتحضر لى القلم والأوراق.

    كنت «أشخبط»، وأملأ كل الأوراق، بصور غير مفهومة. عندما أفكر الآن، أشعر بأننى عبرت عن تمردى، كتبت أجمل أشعارى، تخيلت عالمًا أعدل وأجمل، داخل تلك «الشخبطة»، ورسمت مصير حياتى، فى تلك الصور التى لم تكن تعنى إلا شيئًا واحدًا.. سأكبر لأصبح كاتبة.. وحرة.. وشاعرة ، لا يعترف بها كهنة الِشعر، وامرأة لا تعترف بالنساء والرجال، المقيمين فى الفنادق الذكورية ذات الخمسة نجوم .

      كل كلمة ، هى امتداد لـ ” مزاجي ” ، وحالتي النفسية ، والعاطفية، والجسمية .

لا أؤمن بكلمة ، ليست تنتمي الى أوجاع ، وأحزان ، وأفراح ، و أحلام ، ” ذاتى ” .

 لا أكتب حرفا ، لا يحمل نزف دمي ، ولا يشكل لونا ، أو خطا ، أو ظلا ، في لوحة وجهي . أعشق الفيلسوف فرديريك نيتشه لأسباب عديدة ، منها رؤيته للكتابة حيث قال : ”  لا أعترف الا بالكتابات التى خطها الانسان بدمه “.

      الكتابة ، بكل بساطة ، هى ” جنتى ” ، وان كنت أعيش محاصرة بالجحيم .

      مع ” الكتابة ” أشعر أننى ” الهة ” ، أصنع المعجزات والأشياء الخارقة . لكننى لا أطمع أن يؤمن بى أحد ، ويقدم لى قرابين الطاعة والعبادة والولاء .

   ” الكتابة ” ، موتى ، ولحظة قيامتى .

   أهذا هو السبب أننى لا أخشى الموت ؟؟.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى