أدب وفن

تحية حب إلى زياد الرحباني/ بقلم د. علي عجمي

تحية حبٍّ إلى زياد الرحباني

 
لقد ترجل الفارس المتمرد عن صهوة إبداعه
تاركاً في هذا الوطن الجريح علاماته الفارقة
التي لا تشبه أحداً سواه
كأن قلبه النابض بالثورة
ما عاد يحتمل هذا الكم المتفاقم من الوجع
وهذا الهبوط المرعب نحو مجاهيل لا قرار لها
فآثر ارتقاء درب جلجلته
حاملاً صليبه وآماله الثكلى
كأن زياد الرحباني
لم يجد وطناً يتماهى مع فكره
فأعلن رحيله عن هذه الدوامة المثقلة بالهموم المتعاظمة
مخلفاً لمن يود البقاء
أشلاء وطن
حاول أن يبنيه جميلاً ولو في عالمه الخاص

رحل زياد الرحباني
متأبطاً ثورته وتمرده وسخريته المرة
ورفضه لكل شيء
ولم يسلم من رفضه
حتى ما بناه الرحابنة وفيروز
من أوطان زاهية
مستقاة من عوالم الأحلام
تلك الأوطان والعوالم
التي أعلن جهاراً
أنها لا تشبهه في شيء ولا تمت للوطن الذي يشتهيه بأي صلة

رحل زياد الرحباني
تاركاً وراءه البلد
الذي ما زال ليس ببلد
بل تشظّى إلى مساحات متناثرة متباعدة
لا تطل أي منها على الأخرى
بل تطل على نفسها
منغلقة على ذاتها
منعزلة عما عداها
لا يجمعها جامع
ولا يربط فيما بينها عامل موحِّد
وهو الذي كان يرى
أن هذا البلد
يواصل مساره العجيب
توجهه طوائف متباينة ومتناقضة حتى أدق التفاصيل
طوائف تخشى بعضها البعض
وتطفو على بعضها البعض
كلما حلّ ظرف مؤاتٍ لذلك
طوائف ناسها كما رآهم
ليسوا مجموعين ولا مطروحين ولا مضروبين بل مقسومون حتى النخاع

رحل زياد الرحباني
عبقري اللحن والفكر
عبقري القلم والألم
ونحن الذين كبرنا معه ومع فنه الجميل
وكنا نلوذ إلى مسرحياته وأغانيه
التي تتماهى مع ما يختلج في دواخلنا
لنجد فيها أنفسنا
ونرى فيها متنفساً مما نواجهه من إحباطات
كنا نتعمشق بسخريته المرة
والتي كانت خير ما يعكس همومنا وهواجسنا
ولست أعتقد أن فناناً لبنانياً سواه
استطاع أن يفهم الحالة اللبنانية بشكل واضح وعميق ويوظفها فنياً في قوالب بديعة متقنة

 
رحل زياد الرحباني
لكن ألحانه ومسرحياته وكتاباته وأغانيه
والتي أراد لها أن تكون ثائرة على شاكلته
ستظل تسطع في هذا الخواء الكبير
ناثرة عبير فرح مختلف
وفاتحة شبابيك الزمان
على هياكل من فرادة وحقول من إبداع لا يخبو وقيده

لقد دعانا زياد إلى أن ننام
وأن نحلم بأن بلدنا قد صار بلداً فهل ما زال في العمر متسع كي تصدق الأحلام

د. علي عجمي
 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى