الشاعرة ميشلين مبارك تقرأ بين سطور رواية”بنات القدر” للكاتبة كلود جعجع

منذ السطور الأولى في رواية “بنات القدر”للكاتبة اللبنانية كلود جعجع، منذ حكاية حلا وابنتيها غادة وحياة، بدا واضحًا أنّ هذه الرواية تسعى لالتقاط نبض المرأة اللبنانية بل والعربية في مراحلها المختلفة. منذ اليتم الأول أي منذ وفاة الأب، تحاول المرأة انقاذ طفلتيها من العوز والحاجة. إلى اليتم الثاني بعد مرض الأم وموتها، تتحّدى المرأة في كل من غادة وحياة، ولاحقًا في نجلا وفردوس ونزيهة والست سوزان وابنتها تمارا وغيرهن، يتحدين قهر الظروف، وخيانة الرجل والفقر والعادات البالية، والعوائق الاجتماعية، والطبقية وحتى الواقع السياسي السائد في كل زمان ومكان، وهنا نشهد للكاتبة جرأةً في الطرح وصدقاً في التعبير، فتقول في الصفحة 10 على سبيل المثال وعلى لسان عيد (جار حلا): “كل عمرو هالبلد بإيد الزعران، بدّن يضلّو هني بس مسيطرين ومستفيدين وحدن من خيراته…” وبرأيي هي اسقاطات واقعية تصلح ليس لبلدنا فحسب بل لكل بلد يعاني فيه الإنسان من نقص في كرامته، وانتقاصٍ من حريته.

مما لا شك فيه، أن نيّة الكاتبة جعجع صادقة في التعبير عن همّ إنساني بل عن هموم تمسّ كل امرأة في مجتمعاتنا. ولعلّ أكثر ما لفتني في عملها الروائي الجذاب والمتماسك في آنٍ معًا هو محاولتها احتضان كل التحوّلات الداخلية والخارجية التي تمرّ بها كلّ من الأختين غادة وحياة، وهذا بحدّ ذاته جهدًا يستحق التشجيع خصوصًا في ظل شحّ الأصوات التي تحاول رسم صورة شاملة ومتعاطفة للمرأة.
إلاّ أنه وفي سياق الرواية، وخصوصًا في قرارات المرأة، بدا تأثير الرجل سواء الجار عيد، أو نعيم بيك، أو أخ فردوس أو الحبيب سامي، ثم المحامي شوقي وغيرهم من الشخصيات الذكورية، ولاسيما المعلم عساف عندما خطف الطفلة فردوس في نهاية الرواية، إذاً، بدا تأثيرهم محوريًا في تغيير قدر المرأة إذ أنهم أمسكوا بشكل أو بآخر بخيوط حياتها على نحوِ ما يصور لنا أيضاً غلاف الكتاب للفنانة آني عبد المسيح، هذا التأثير سواء ايجابيًا كان أم سلبيًا يفتح الاحتمال على أسئلة مصيرية: من يملك الحق في تقرير حياة الآخر؟ إلى أي مدى ما زالت تُمارس الوصاية على النساء بحجج الحبّ والحماية. في هذا السياق من المهم توظيف الأدب لتفكيك الصورة المتسلطة التي تُمارس على المرأة.
“بنات القدر” تجربةٌ وجدانيةٌ فيها الكثير من الحوارات بين شخصياتها، أكثر منها تجربة سردية ووصفية. حاولت فيها الكاتبة كلود جعجع أن تسلط الضوء على التفاصيل الصغيرة التي تشّكل المرأة من الأم والإبنة والفتاة العزباء والمربية والعصامية والحكيمة والذكية. ولعلّها برأيي هدفت عبر هذه الحوارات إلى فتح الحوار الحقيقي حول واقع المرأة في مجتمعاتنا. هذا الواقع الذي أراه كما يراه العبقري زياد الرحباني مستشهدة بقوله المأثور:
“وراء كل امرأة عظيمة، ولا حدا لأنّ الله خلقها عظيمة مش ضروري يكون وراءها حدا”.




