أدب وفن

ديوان “أركض ورائي” للشاعر بسام موسى :رحلة الخيال في البحث عن الذات

ديوان “أركض ورائي” للشاعر بسام موسى :
رحلة الخيال في البحث عن الذات

فاتن مرتضى*

يمثل ديوان “أركض ورائي” للشاعر بسام موسى الصادر من منشورات منتدى شاعر الكورة الخضراء، عبدالله شحاده الثقافي ٢٠٢٥ عملاً أدبياً يتجاوز حدود القصيدة التقليدية، ليصبح رحلة وجدانية فلسفية عميقة. إنّ الخيال ليس مجرد أداة للتعبير، بل هو المحرك الأساسي للعملية الإبداعية. يتجلى في عنوان الديوان نفسه “أركض ورائي”، الذي يفتح الباب أمام تأويلات متعددة للبحث عن الذات. هذا العنوان ليس مجرد مفارقة لغوية، بل هو انعكاس لقلق وجودي يعيشه الشاعر، حيث يسعى باستمرار للحاق بـ”أناه” المتغيرة أو بأفكاره ورؤاه المتجددة التي تتفلت منه. وكأن الديوان بأكمله هو محاولة مستمرة للإمساك بهذه الذات المشتتة، مما يجعل القارئ شريكاً في هذه الرحلة التأملية.


العاطفة الصادقة: من الشوق الوجودي إلى الحزن الفلسفي
تُعدّ العاطفة في شعر بسام موسى المحور الذي تدور حوله القصائد، فهي ليست مجرد مشاعر عابرة، بل هي نبض حي يُحوِّل تجربة الشاعر إلى وجدان القارئ. تتجلى هذه العاطفة في صورها المتعددة، بدءًا من أعمق حالات الشوق وصولًا إلى الحزن الفلسفي والأمل الروحي.
الشوق الوجودي واللقاء الروحي: في قصيدة “أحبك”، يتجاوز الشاعر التعبير السطحي عن الحب ليصفه كلقاء روحي خالص. فقوله: “ويغبطني التودد كل لقيا / كخلٍ يلتقي في الروح خله”، ليس مجرد وصف لمشاعر الشوق، بل هو احتفاء بتوحد الأرواح قبل الأجساد. الشاعر هنا لا يصف حباً عادياً، بل حالة من التآلف الوجودي التي تتجدد مع كل نظرة، مؤكداً صدق التجربة التي تتجاوز حدود الواقع المادي.
الوجْد والشغف الإبداعي: تعد قصيدة “ترف الجنون” مثالاً بارزاً على تحويل الشغف إلى فعل إبداعي. يستخدم الشاعر رمزية الخمر، الذي لا يمثل نشوة عابرة، بل جوهر التجربة العاطفية التي تتصاعد من “جرح النبيذ” إلى “نهر الدماء”، في إشارة إلى عمق الشغف واندماجه في كيان المحب. لكن الأهم هو تحويل هذا الشغف إلى فن خالد، حيث يُحوَّل “الجسد المدمى بالأماني” إلى لوحة فنية، وتصبح لمسة الحبيب “شعراً” يتدفق على “ترف الجنون”. هذه الرؤية تؤكد أن الحب في أقصى تجلياته هو فعل خلاق يحوِّل المشاعر الجياشة إلى فن خالد.
الحسرة والألم في “فقه التفاصيل”: تُقدّم قصيدة “فقه التفاصيل” رؤية فلسفية عميقة مفادها أن المعنى الحقيقي للعلاقات والمشاعر قد يُفقد بسبب الإفراط في التحليل والتركيز على المظاهر السطحية. من خلال صور متناقضة كـ”وشم الغياب” على “زند اللقاء”، يبيّن الشاعر أن المبالغة في فحص الأمور يمكن أن تُفقدنا جوهرها. القصيدة هي دعوة للبحث عن المعنى الأصيل في “النهر الأخرس” الذي يرمز للعمق الهادئ، بدلاً من التشتت في تفاصيل صاخبة قد تكون خادعة. هذا النوع من الألم ليس مجرد حسرة عاطفية، بل هو حسرة فلسفية على المعنى الذي يضيع في زحام التفاصيل.
الأمل والتحول الروحي: في قصيدة “معبد الرؤية”، يرتفع الحب من إطاره العاطفي التقليدي إلى فضاء روحي واسع ومعقّد. يعتمد الشاعر على لغة رمزية فريدة، حيث يبني عالماً

خاصاً يجعل فيه المحبوب محوراً لطقوس وجودية مقدسة. فـ”عيناك” تتجاوز حدود الجسد لتصير خليطاً من الخيبة السماوية والجوهر الأرضي، و”فروض العشق” تُرفع إلى مرتبة الواجبات المقدسة. وتتجلى براعة الشاعر في دمج رموز من ديانات مختلفة مثل “كنائش الألوان” و”السجادة الزرقاء”، فيخلق بذلك كناية عميقة تدل على أن حبه ليس مقتصراً على تجربة معينة، بل هو حالة إيمان شاملة تحتضن كل أشكال التعبد الروحي.
الموسيقى الشعرية: همس المعنى وإيقاع الروح
الموسيقى في شعر بسام موسى ليست مجرد زينة صوتية، بل هي جزء لا يتجزأ من المعنى والعاطفة. في القصائد العمودية، يستفيد الشاعر من الإيقاع الخارجي والداخلي لخلق نغمة متجانسة تريح الأذن وتعمق التجربة الجمالية. مثال على ذلك قوله: “وتشربني كؤوس البوح طلّا / وتغنج أحرف، وتميل دلّا”. إن تكرار الأصوات المتشابهة والتوازن اللفظي يخلقان تأثيراً موسيقياً يعزز المعنى، وكأن الكلمات نفسها تتراقص على إيقاع المشاعر.
وفي نظام التفعيلة (الشعر الحر)، يمنح الشاعر نفسه حرية أكبر في التعبير عن حالاته النفسية المتغيرة، حيث يتكيف الإيقاع مع طبيعة الموضوع. هذا التنوع الموسيقي يظهر وعياً عميقاً بقدرات اللغة، مما يجعل القصيدة لا تُقرأ بالعين فقط، بل تُحس بالوجدان وتترسخ في الذاكرة.
التجديد والرمزية: ابتكار رؤى جديدة للوجود
التجديد في شعر بسام موسى يتجاوز الشكل ليصل إلى المضمون. يعتمد الشاعر على الرمزية لتقديم معانٍ مألوفة بأسلوب غير مألوف، مما يفتح الباب أمام القارئ للمشاركة في عملية الخلق. ففي قصيدة

“صائغ الماء”، يستخدم الشاعر صوراً غير تقليدية للتعبير عن النهاية الحتمية للحياة، كما في قوله: “دنيا توضأ بالألغاز عابرها / فهل قرأنا بها الآيات والسورا؟”. وفي بيت آخر يضيف: “وإن هوت رعشة الأوراق خاوية / من لثغة اللون، فاضت روحها عبرا”. هنا، تتحول نهاية الأوراق إلى بداية جديدة، حيث تفضي “عبراً”، أي دروساً وحكماً. هذه الصور تثير الدهشة وتتجاوز المباشرة، وتمنح النهاية معنىً فلسفياً عميقاً.
كما أن الشاعر يبرع في استخدام المفارقات والتناقضات، حيث يمزج بين الألم والأمل في صورة واحدة، كما في بيت “على الجسد المدمى بالأماني / تقلّم حزنه ليصير زهرا”. هذا التلاعب بالمفارقات ليس مجرد تقنية بلاغية، بل هو انعكاس لفلسفة الشاعر في تحويل الحزن إلى مصدر للجمال والنمو.
الديوان مرآة للمجتمع: قلق الذات في مواجهة الواقع
على الرغم من أن الديوان يركز بشكل كبير على التجربة الذاتية، إلا أنه لا ينفصل عن سياقه الاجتماعي. يمكن قراءة رحلة “الركض ورائي” كصورة لقلق مجتمع بأكمله يعاني من أزمات الهوية وفقدان المعنى. عندما يتحدث الشاعر عن “خرائب المعنى”، فهو لا ينتقد حالته الشخصية فقط، بل يوجه نقداً لاذعاً لواقع اجتماعي تتلاشى فيه القيم الأصيلة. يقول الشاعر: “هتك المجاز وأوصدت أبوابه / وخرائب المعنى الجريح كتابه”. هذا التحول من الذاتي إلى العام يحول الديوان من مجرد تأملات شخصية إلى مرآة تعكس هموم جيل بأكمله.
خاتمة: “أركض ورائي” مرآة للذات والعالم
إن ديوان “أركض ورائي” ليس مجرد مجموعة قصائد، بل هو دليل على الثراء الروحي والفكري الذي يمكن أن يحمله الشعر. كل قصيدة

فيه تشكل عالماً قائماً بذاته، يستكشف أبعاداً مختلفة من التجربة الإنسانية، من الحب والشوق إلى اليأس والأمل، ومن الواقع الملموس إلى الخيال الجامح. بسام موسى، بقدرته الفائقة على صياغة المعاني العميقة بلغة شاعرية مدهشة، وبعاطفة صادقة تنبض في كل بيت، وموسيقى شعرية تنساب بين الأوزان الكلاسيكية ونظام التفعيلة لتشكل نسيجاً متكاملاً، يقدم لنا أعمالًا تتجاوز الزمن.
في النهاية، الخيال هو البوصلة التي توجه هذا الركض الشعري. إنه ديوان يدعو القارئ لأن “يركض وراءه” أيضاً، ليس في مسعى حثيث للوصول إلى نهاية، بل في رحلة تأملية لاكتشاف الذات والعالم عبر مرايا الكلمة. كما أن الديوان، برغم عمق تجربته الذاتية، يبقى مرآة تعكس قلق جيل بأكمله وتساؤلاته الوجودية، مما يجعله عملاً نقدياً للمجتمع بقدر ما هو تأمل في الذات. إنها دعوة مفتوحة لكل من يبحث عن الجمال والعمق في الشعر العربي المعاصر.


كاتبة وناقدة لبنانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى