أدب وفن

حاولتُ يا بيروت، حاولتُ أن أكتُبَكِ قصيدةَ شِعرٍ/ بقلم الشاعرة رندة رفعت شرارة

بيروت- الرابع من آب

حاولتُ يا بيروت، حاولتُ أن أكتُبَكِ قصيدةَ شِعرٍ، فغَصَّ القلمُ بحرفٍ حزينٍ فتحَ للدمعِ بابًا وأسكتَ الكلامَ عن البوح.

اعذريني يا “ست الدنّيا” فما استطعتُ أن أجمعَ شتاتَ فكرٍ عَجِز عن التعبير. شوقي إلى ابتسامتك التي جرفها تيّار الكفر بكل القِيمَ، أحال كل ما في الخيال إلى رمادٍ بعد أن أكلت نارُ الحقدِ كل شيء.

كيف لي أن أغوصَ في أعماقِ بحركِ، وأكشف السرَّ العميقَ الذي احتضَنَهُ .. وهو الذي كان وسيبقى مستودع كُلِّ الأسرار؟..
كيف لي ولشاطِئكِ الحزين أن نلتقي في صباحاتنا ونشرب قهوتنا مع رذاذ الموج. كيف لي أن أسير على رمالهِ وأنا أخشى أن أسمع صراخ الأرواحِ التي تحلّق في تلك الأرجاء، وكيف لي أن أبتسم وأنينُ الأمهاتِ والأباءِ يحفرُ عميقًا في قلبي، وأصواتهم تطغى على هدير الموجِ الهائجِ غضبًا وألما؟!.

أي حقدٍ هو ذاكَ الذي أحالَ البيوت إلى مدافنَ، والغرفَ المغلقةَ على حشرجاتِ الأصواتِ المتألمةِ إلى توابيتَ ساكنة، وقاعات الصفوف إلى مقابرَ تضمُّ أحلام أطفالٍ وأدَها الكفرُ في مهدِها؟!.

ايها الرابعُ من آب، يا تاريخًا اغتالَ آمال مدينتنا ومزّق طرحَة عرسِها وأحاله مأتما لضحايا لا ذنب لهم، إلا أنهم كانوا هناك في لحظةٍ جمَعَ فيها شيطانٌ رجيمٌ أجسادهم، وقدَّمَها قرابينَ لأهوائِه…

ها أنا خلفَ البحارِ أنتظر صباحكِ، وأخشى عليكِ وعلى القلوب الحزينةِ مرارة الذكرى وهي تسترجعُ لحظاتِ الرعب، وعلى سكّانِ حاراتكِ وهم يغمضون أعينهم على رجاء أن يستيقظوا من كابوسهم الفظيع، ليروا أحبتهم يفرغون الإهراءات المنتشرة على مد البصر، ويعجنونَ قمحها بماء المحبة ويوفون بها النذور، فيشبع كل من جاع يومًا ونامَ وهو يحلمُ برغيف خبز.
الأمل، الوعد، السلام، الأمان … العدل …كلماتٍ تبحثُ عن حقيقتها .. والحقيقة أن الإنسانية نفسها لم تعد تدري ماهيتها!!

بيروت،
يخونني الأمل وأنا أرى وطني كله – بمدنه وقراه يعيش على أمل، فاعذريني من جديد وسامحيني وأنا أخشى أن أرى نظراتِ الخيبة في عينيك التي خذلها الزمن ولم ينصفك حتى تحت قوس العدالة.
عقارب الساعة تلسعني بقسوة. طويلٌ طويلٌ هذا الظلام .. فهل لي منكِ يا بيروت لمسةَ حنانٍ وقبلةً تعيد إليَّ الحياة؟!!!
رندة رفعت شرارة

randa_r_charara

٤آب – انفجار مرفأ بيروت .٢.٢

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى