15 أغسطس يوم استقلال الهند

د . منى نوال حلمى
—————————
” غاندى ” المتقشف النحيل الفيلسوف شبه العارى .. يهزم أكبر امبراطورية
————————————————————-
لحسن حظى ، حضرت منذ عدة سنوات ، احتفالات الشعب الهندى ، بيوم الإستقلال يوافق 15 أغسطس 1947 . رأيت رفرفة الأعلام الهندية ، كيف يعبرالنساء والرجال فى الهند على اختلاف عقائدهم ولغاتهم ودياناتهم وطوائفهم عن فرحة شعبية غامرة ترسخ توحدهم وتعمق من انتمائهم الوطنى، رأيت رئيس الوزراء يقول خطبته السنوية ، وكيف يحتشد آلاف النساء والرجال والأطفال ، للاحتفال فى القلعة الحمراء التاريخية الشهيرة
التى بناها ، الامبراطور شاه جهان 5 يناير 1592 – 22 يناير 1666 ، 1638 ، لتكون مقر الحكم المغولى ، حتى تم احتلال الهند من بريطانيا سنة 1857 ، وأصبحت معسكر للجيش البريطانى الى يوم الاستقلال فى 15 أغسطس 1947 .
فى ذلك اليوم 15 أغسطس 1947 ، ألقى جواهر لال نهرو 14 نوفمبر 1889 – 27 مايو 1964 ، أول رئيس وزراء للهند ، بعد الاستقلال ، خطبة تحرير الهند بعد قرابة مائة عام ، من قبضة الامبراطورية البريطانية ، التى لقبت بالامبراطورية الى لا تغيب عنها الشمس ، ومنذ ذلك الوقت ، منذ أصبح هذا تقليدا هنديا شعبيا ، لا يضاهيه أى احتفال ، الا بالطبع الاحتفال بذكرى ميلاد ورحيل المهاتما غاندى ، 2 أكتوبر 1869 – 30 يناير 1948 ، الروح العظيم ، وأبو الأمة الهندية ، مشعل الحركة الوطنية الهندية ، وزعيمها وأحد نبلاء العالم ، المؤمن بالعصيان المدنى ، وسياسة اللاعنف للاصرار على الحقيقة ، واحداث التغييرات السياسية والاجتماعية ، المعروفة باسم ” الساتيا جراها ” ، وعيد ميلاده عطلة رسمية فى الهند ، وهو أيضا اليوم العالمى لنبذ العنف .
تأثر الكثير من زعماء وقادة العالم ، بسياسة ” الساتيا جراها ” ، ومنهم ” مارتن لوثر كينج الابن ” ، 15 يناير 1929 – 4 أبريل 1968 ، زعيم مناهضة التفرقة العنصرية فى أمريكا ، والمنادى بقانون الحقوق المدنية للسود الأمريكان ، وذلك عند زيارته للهند 1959 ،
التى ابتدعها غاندى وهو فى جنوب أفريقيا ، ومارسها فى الهند منذ عام 1917 حتى الاستقلال . والمفارقة أن الاثنان تم اغتيالهما ، وهما المكافحان ضد العنف .
منذ زيارتى الأولى للهند ، أول مرة يحيطنى السحاب ، ودهشة ترك الوطن ورائى ، ومنذ تعرفى على سيرة ” غاندى ” ، وتاريخ الهند ، والوقوف حائرة أمام تحفة ” تاج محل ” يسمونه ” أيقونة الحب ” حيث بناه شاه جهان ليكون ضريحا يأوى زوجته الراحلة فى عز شبابها ، ممتاز محل 27 أبريل 1593 – 17 يونيو 1631 ، وأنا أصبح لى وطنان . مصر ولدت على أرضها ، أحمل جنسيتها . والهند ولدتنى حكمتها وعجائبها وسحرها وتناقضاتها وثرائها ، وأشعار طاغور ، 7 مايو 1861 – 7 أغسطس 1941 ، فيلسوف الشِعر الذى نال وسام الفارس من ملك بريطانيا جورج الخامس 1918 ، لكنه خلعه بعد أن تورطت القوات البريطانية فى مجزرة بشرية قتلت أكثر من 400 مواطن هندى ، فى مظاهرات مدينة
” أمريستار” شمال الهند فى 13 أبريل 1919 .
منحازة أيضًا بشكل مطلق لكل ما ينبع من الهند ، الطعام الحار ، الشاى الهندى ، موسيقاها الثرية بالبهجة والشجن والانطلاق ، الرقص الهندى لا تسعه رحابة الكون ، رائحة البخور والأعشاب الهندية خاصة الصندل ، ورائحة المعاناة المتراكمة ، المرسومة على الوجوه ، وشكل الزى التقليدى للمرأة “السارى “. كما أعشق شكل نول الغزل الهندى التقليدى ، والذى كان أحد اسباب استقلال الهند . فقد أدرك غاندى ، أن الاستقلال السياسى لن يتحقق طالما أن الهند تصدر انتاجها الزراعى كمادة خام ، ثم تشترى المنتجات الانجليزية الجاهزة . ولهذا دعا الهنود الى احياء الصناعات القديمة ، والحرف اليدوية التقليدية ، والعودة الى النول اليدوى ، والامتناع عن شراء الأقمشة الانجليزية . وأصبح النول اليدوى رمزا للتحرر ، الذى وضع فى منتصف العلم الهندى ، المكون من أربعة ألوان ، وهى الصيغة التى اقترحها غاندى فى المؤتمر الوطنى الهندى ، قبل الاستقلال بربع قرن .
أصدقائئ المقربون فى الهند ، لاهار ، وجاجان ، راما ، تشندرا ، بريانكا ، أنيتا . أدين لهم بأن عرفونى خاصة راما ، وأنيتا ، على كتاب ” الأوبانيشاد ” من أقدم كتب الأدب الدينى ، 800 ق . م ، ويعد من جواهر الديانة الهندوسية ، ومنها انبثقت على سبيل المثال فلسفة اليوجا ، والحكم عميقة المعنى والتأمل الانسانى . من مأثورات ” الأوبانيشاد ” التى عزفت على أعمق أوتارى وتناغمت مع طباعى : ” لا تنكر ذاتك فهى الأجنحة التى بها ستطير “.
مع ” غاندى ” ، تتجدد دهشتى . هذا الر جل البسيط ، بساطة البديهيات ، نحيل الجسم ، نصف العارى ، وتساعده عصاه فى المشى ،لا يملك سلاحا ، الا ايمانه ، ب الهند ، ونبذ العنف . هذا الرجل هادئ الحركات ، رقيق الصوت ، كان الخطر الأكبر ، على امبراطورية ، تملك كل الأشياء ، المال ، والنفوذ ، والأسلحة ، والجيوش ، وخبرات الاحتلال ، والحلفاء ، ووسائل القمع والتعذيب .
من المعروف أن الديانة الهندوكية ، تقسم المجتمع الهندى إلى نظام صارم من الطوائف . على القمة طائفة «البراهما».. والبراهما هو إله الخلق والكون . لذلك فهى طبقة عليا ، يمثلها القائمون على الدين والفكر. ثم نجد فى القاع طائفة ” التشودرا ” ، حيث أصحاب المهن اليدوية المختلفة، وأصحاب الحرف العديدة . من هذه الطائفة فى القاع، نشأت فئة «المنبوذين» ،التى تقوم ب أحط الأعمال ،فى نظر المجتمع الهندى ، مثل جمع القمامة، ولم جلود الحيوانات الميتة وذبحها. وقد انعزل «المنبوذون» فى مكان مخصص لهم ، لا يشربون إلا من بئر خاص ، ولا يلمسون أحدا ، ويتم استغلالهم فى جميع الانتهاكات المستباحة .
طبقاً لنظام الطوائف ، لا يتم التزاوج ، بين طائفتين مختلفتين ، ولا يحق لأى مواطن هندى
تغيير طائفته إلى أن يموت .
ثار «غاندى» على هذا الموروث الدينى الهندوكى. وقام ب تزويج ، رجل ، وامرأة ، ينتمى كل منهما ، الى طائفتين مختلفتين .
بل من أكثر الطوائف بعداً ، طائفة «البراهما» قمة المجتمع ، وطائفة ” التشودرا ” قاع المجتمع . وكانت هذه حادثة ، لم تشهدها الديانة الهندوكية ، على طوال تاريخها .
أطلق «غاندى» على «المنبوذين» اسم هاريجان ، أى أطفال الله .
أكثر ما يبهرنى فى سيرة غاندى، ما سُمى بمسيرة الملح فى 12 مارس 1930، فى ذلك اليوم خرج غاندى من مدينته أحمد أباد، فى ولاية غوجارت سائرًا على القدمين إلى قرية داندى فى مقاطعة سوارت وقد قطع عهدًا ألا يعود إلا بعد تحرير الهند، بدأ السير مع تسعة وسبعين من أتباعه وحين وصل إلى محيط العرب فى سوارت كان قد مشى يومًا كاملًا قاطعًا خمسمائة كيلو متر، وعلى طول الطريق ، تحول الجمع الصغير المؤمن باللاعنف أو العصيان المدنى ، إلى الآلاف من الهنود فى المدن وفى القرى احتجاجًا على احتلال بريطانيا .
عند الشاطىء توقف غاندى وتوقف معه الزحف الهندى الضخم، توجه إلى تلال الملح القريبة، رفع بعض الملح إلى أعلى ثم تركه يتساقط مصاحبًا بالهتافات الرعدية، فقد فهم آلاف الهنود رسالة غاندى من هذه الحركة البسيطة إنه احتجاج غاضب ضد احتكار الإدارة الإنجليزية للملح وفرضها ضرائب باهظة عليه .
لكن لماذا الملح؟
أدرك غاندى أنه أفضل توحيد للخمسمائة وخمسين مليونا من الهنود، فأفقر الفقراء الذى لا يتناول إلا قطعة من الخبز، يحتاج إلى بعض من الملح ، وليس هناك جسم يستطيع الاستغناء عن الملح. ولهذا أُطلق هذا الزحف التاريخى: “نمك ساتياجراها”، نمك يعنى ملح، ساتياجراها تعنى الإصرار على الحقيقة .
عُرف عن ” غاندى ” ، الكثير من الدعابات الساخرة ، التى تفضح الكذب ، والظلم ، والقبح . دعابة شهيرة ،حين دعُى لحفل استقبال فى قصر الإمبراطورية البريطانية. وذهب كما هو، يرتدى ً الثوب الأبيض، الذى يكشف جسمه النحيل ،أكثر مما يستره .سأله أحد المدعوين الإنجليز باستنكار: أهذه ملابس تناسب لقاء الملك؟ .
بابتسامة هادئة ودودة رد «غاندى» : ” اطمئن يا صديقى فالملك يرتدى من الملابس ما يكفينى ويكفيك ويكفى كل المدعوين “.
فى ١٤ مارس ٢٠١٥، فى لندن، فى ميدان البرلمان، أزيح الستار عن تمثال «غاندى»، وهذا التاريخ يوافق مائة عام، حينما عاد «غاندى» إلى الهند من جنوب إفريقيا، حيث كان يعمل بالمحاماة لكى يتفرغ للنضال لتحرير بلاده، وكان يبلغ من العمر ٤٦ عامًا.
يا للمفارقة، تمثال «غاندى» يرتفع شامخًا، وقورًا، منتصرًا، وفخورًا، فى قلب لندن، فى عقر دار الإمبراطورية العتيدة، المسماة الإمبراطورية التى لم تكن تغيب عنها الشمس، والتى طاردت «غاندى» واعتقلته سنوات أكثر من مرة.
يا للسخرية، إن لندن تغيب عنها الشمس طوال الوقت. يا للمفارقة، ذهب الجميع، أصحاب الامتيازات، والمراكز المرموقة، وترسانة الأسلحة، والتحالفات الاستعمارية الدولية، الذين كانوا يركبون الخيل ، ويضربون الشعب الهندى بالرصاص والعصا والكرابيج، ولم يبق إلا «غاندى» والشعب الهندى.
درس عظيم من الهند ، أستعيده معها ، مع اقتراب الاحتفال بيوم الاستقلال ال ثامن والسبعون ، فى 15 أغسطس 2025 .
من أجمل ما قرأت من أدب الرحلات ، كتاب الطبيب والروائى والسياسى المصرى ، شريف حتاتة ، 13 سبتمبر 1923 – 22 مايو 2017 ، ” طريق الملح والحب ” 1983 ، عن دار المستقبل العربى . وهو يروى بالتفصيل عن الهند ، وغاندى ، بسرد روائى ممتع . وقد استعنت به ، فيما رويته من أحداث .
من مقولات غاندى ، المنحوتة فى قلبى وعقلى :
- لغز لم أفهمه أبدا لماذا يشعر البعض بالمتعة فى اذلال الآخرين .
- أيها الهنود لا تعاملونى كاله .
- لا تحل محل الناس . دعهم يكتشفون قدراتهم بأنفسهم .
- الفقر موجود لأننا نأخذ أكثر من احتياجنا .
- لولا المرح والسخرية لانهزمت فى أول معركة .
- لا تيأس .. فالبحر لا يتسخ من قطرة .
– نحن موجودون بسبب النساء فلا تسيئوا معاملتهن




