أدب وفن

​زوربا يرقص وطاغور يتأمل: رحلتان نحو الحرية .


فاتن مرتضى*


​في فضاءات الوعي الإنساني الفسيحة، حيث تتجلى الفلسفات وتتعانق الرؤى، يرتفع صوتان عظيمان من مشرق الشَّمس ومغربها. من الهند، يهمس رابندرانات طاغور بأسرار الكون، كعازف قيثارة روحيّة تُداعب أوتار الوجود، ومن كريت، يصدح زوربا اليونانيّ بضحكته المدويّة، كعاصفة حياة تعصف بالجمود وتوقظ الحواس. قد يبدوان للوهلة الأولى كقطبين متنافرين: أحدهما يحلّق في ملكوت الرّوح، والآخر يغوص في جوهر التُّراب. لكن في أعماق كلّ منهما، تكمن دعوةٌ خالدةٌ لعيش الحياة بكل ما فيها، وإن اختلفت أنغامها.


​ألحان الجسد وأناشيد الرّوح: فلسفة العيش


​يرقص زوربا على مسرح الحياة، لا يهاب سقوطًا ولا يخشى ندبًا. جسده هو معبده، وحواسه هي نوافذه على الوجود. لا يثق بالعقل الذي “يقطع كل شيء إلى أجزاء صغيرة”، بل يؤمن بالتّدفق العفوي، بالرَّقص الذي يطرد الشّياطين ويحضن الألم. يقول بصوت يتهادى كالرِّيح بين أشجار الزيتون: “العقل سكين. يقطع كلّ شيء إلى أجزاء صغيرة. لكن الحياة كلها، يا صاحبي، لا يمكن أن تُقطّع. يجب أن تأخذها كلّها.” وحين يُضجره سؤال الفكر، يرمي بسؤال أعمق: “يا معلمي، إنّني أحتمل كل أنواع المصائب، ولكني أفضّلها على هذه اللعنة التي تُدعى الكتب!” هو تجسيد للمطلق الذي يعيش اللّحظة، لا توقظه إلا رائحة الأرض بعد المطر، أو صوت البحر يتهدج في الليل. زوربا هو صرخة الوجود التي ترفض القيود، تدعو إلى الانغماس في التجربة الحسيّة الكاملة بلا حساب.

​الحرية، ذاك الشَّوق الأبدي، يتجلى في كليهما لكن بمسارات مختلفة. يرفع زوربا راية الحرية الشخصية المتجردة، حرية الرفض والتمرد على كل قيد: “لأنني حر! وما معنى الحرية؟ أن لا تبالي بالغير، وأن تتخلى عن كل شيء.” إنه يرى التَّخلص من الأوزار كشكل من أشكال الانعتاق، حياة بلا قيود ولا ندم، حيث لا يملك شيئًا ليخسره إلا نفسه المتصلة بالتّراب.


​أما طاغور، فينسج من خيوط الفجر والنّدى قصائد تلامس شغاف الرّوح. هو لا ينفصل عن الجسد، بل يراه وعاءً مقدسًا لروح تسعى للاتحاد بالجمال الكوني. تأملاته ليست هروبًا من الواقع، بل غوصًا فيه ليكتشف اللآلئ المضيئة. يرى أن “النَّوم يسبق يقظة الجمال. ليس الشُّروق فحسب، بل هو نور روحي يغسل الوجود.” وفي دعوةٍ للتَّحرر من قيود الأنا، يهمس: “يا روحي، اخلعي ثيابك، ودعيها تسبح في بحر السّعادة الصامت.” إنه يعزف سيمفونية تتناغم فيها كل ذرات الكون مع نبض القلب البشري، داعيًا إلى سلام داخلي يتجاوز فوضى العالم الخارجي.


​أجنحة الحرية ومرارة الألم: رؤى متقاطعة


​الحرية، ذاك الشَّوق الأبدي، يتجلى في كليهما لكن بمسارات مختلفة. يرفع زوربا راية الحرية الشخصية المتجردة، حرية الرفض والتمرد على كل قيد: “لأنني حر! وما معنى الحرية؟ أن لا تبالي بالغير، وأن تتخلى عن كل شيء.” إنه يرى التَّخلص من الأوزار كشكل من أشكال الانعتاق، حياة بلا قيود ولا ندم، حيث لا يملك شيئًا ليخسره إلا نفسه المتصلة بالتّراب. إنها حرية الوجود الفردي الذي يصنع قوانينه الخاصة.
​بينما يرى طاغور الحرية في تَحرُّر الرّوح من قيود المادّة، ومن مخاوف الذّات الفانية. إنها حرية السّموّ بالوعي نحو فضاءات أرحب من الحب اللّامشروط والسّلام الدّاخلي. يقول: “أنا لا أصلّي لرفع مخاطري، بل لأمنح روحي قوّة لمواجهتها.” وهذا يدل على تركيزه على القوّة الدّاخليّة والحريّة من الخوف، تلك الحريّة التي تنبع من قلب متصالح مع الكون، مؤمنًا بأن القوة الحقيقية تكمن في الرّوح لا في الظّروف الخارجيّة.


​أما الألم، ذاك الرّفيق الدّائم للوجود، فيتلقاه كل منهما بطريقته. زوربا يستقبله بالرّقص، يحوّله إلى فعل مقاومة، إلى طاقة للحياة. لا يدفنه، بل يخرجه بأسلوب فطري جامح: “كلما حدث لي شيء، أرقص. لا أستطيع أن أفعل أي شيء آخر. عندما لا أستطيع أن أفعل أي شيء، أرقص.” بالنسبة له، الألم هو الوقود الذي يدفع العجلة، ووسيلة لتجديد الرّوح بعد كل صدمة.


​أما طاغور فيرى الألم كقنطرة للوصول إلى فهم أعمق وجمال أسمى. هو لا ينكر الألم، بل يراه أداة للتنقية والنّمو الروحي. في قصيدة معبرة، يتأمل: “ألمي هو قيثارة بيدي، وقد أعزف عليها لحنًا رائعًا.” محوّلًا الشَّجن إلى إبداع، والمعاناة إلى نغم خالد يرفع الرّوح إلى مستويات أعلى من الوعي والتّصالح.

​إن التّباين بينهما ليس صراعًا، بل تكاملًا يُثري نسيج التّجربة الإنسانية. فكلاهما دعوةٌ لعيش الحياة بصدق، بوعي، وبشجاعة، وإن اختلفت الدّروب. ولقد ألهمت أعمالهما الملايين، تاركة بصمة لا تُمحى في الوعي الإنساني،


​موجة ونجم: تأثير يتجاوز الأزمان


​في الختام، يقف زوربا كموجة صاخبة، تكسر على شاطئ الوجود لتذكرنا بقوّة الحياة الخام وجمال اللّحظة الحاضرة، يدفعنا للانغماس في كل تفصيلة حسيّة. بينما يلوح طاغور كنجم بعيد، يضيء دروب الرّوح ويرشدها نحو السّكينة والاتحاد بالكون، داعيًا للتسامي الرّوحي والبحث عن الجمال الأبدي.


​إن التّباين بينهما ليس صراعًا، بل تكاملًا يُثري نسيج التّجربة الإنسانية. فكلاهما دعوةٌ لعيش الحياة بصدق، بوعي، وبشجاعة، وإن اختلفت الدّروب. ولقد ألهمت أعمالهما الملايين، تاركة بصمة لا تُمحى في الوعي الإنساني، دافعة إيانا للتّفكير في معنى الوجود والحرية والحب، وأن ندرك أن الدّروب إلى الحقيقة والبهجة كثيرة، بقدر ما هي الأرواح التي تسعى إليها.

كاتبة وناقدة لبنانية*

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى