كنا نحمل الضوء في جيوبٍ مثقوبة/ نصوص أدبية/ الروائية مها هسي

كنا نحمل الضوء في جيوبٍ مثقوبة،
نمشي فوق الوقت كمن يمشي على زجاج الذاكرة،كلّ خُطوة تشهق… كلّ خُطوة تنسى.
في المدينة التي نسيت أسماءنا،صرنا نظلّل وجوهنا كي لا تُعرف،
نكتب على الجدران: “كنّا هنا، لكننا لم نكن.”
حتى الجدران خافت منّا،صارت تتقشّر كلما لمسناها.
نحن الذين سقطوا من الحكاية،
نصحو كل صباحٍ على مرآة لا تُعيد وجوهنا،
نسير في طابور الأحياء بصمتٍ الموتى،
نضحك أحيانًا… كي لا ننسى كيف تُفتح أفواهنا.
الحياة؟
كرسيّ فارغ في قاعة انتظارٍ بلا أبواب.
والموت؟
بائعُ وردٍ يعرض قلبك على أرصفةٍ لا تمشيها.
حين كنت صغيرة،
كنت أكتب رسائل الى الله وأتركها على الطاولة قبل أن أخرج،
أكتب بخطٍّ صغير: “أنا خائفة، لكني أحبك.”
كنت أظن أنه يمرّ من هناك في غيابي،
يقرؤها بهدوء، ويربّت على الأشياء كي لا تنهار.
أما الآن، فالطاولة مكسوةٌ بورقٍ لم أكتبه،
والبيت لا يتذكّرني،
وصوتي ضاع بين سطور لم تجد قارئها…
ولا أحد يعرف أن الرسائل كانت لي.
كل شيءٍ يذبل هنا،
حتى الكلمات تحتاج إلى ماءٍ كي تعيش،
والمعنى يختبئ في زوايا الجمل كما يختبئ الخوف في ضحكة الأطفال.
هل تعرف ماذا يعني أن تكون “حيًّا”؟
يعني أن تراقب نبضك بقلقٍ،
أن تعتذر من حزنك لأنه صار جزءًا منك،
أن تمشي بحذرٍ فوق أنقاض نفسك كي لا تسقط مرتين.
لي قلبٌ… يشبه كتابًا ممزّقًا في مكتبة محترقة،
كل صفحة فيه تئنّ،
كل جملة تتذكّر قارئًا لم يأتِ.
أحببتُ كثيرًا، لكنني كنتُ أعطي الحب كما تُعطي السماء مطرًا في صيفٍ جاف.
يسقط… ولا ينبت.
نحن، يا صديقي،
رمادُ النجوم التي احترقت قبل أن نولد،
شظايا أحلامٍ كتبها أحدهم ثم مزّقها قبل أن يجفّ الحبر.
نحن الزمن المكسور، الوعد المنسيّ،
والحقيقة التي اختنقت في صدر شاعرٍ لم يكتب شيئًا.




