مظاهر الرقيّ الحضاري في المجتمع اللبناني !(مشهديات من فترات بعد الظهر و بداية السهرة و حتى فجر اليوم التالي )

مظاهر الرقيّ الحضاري في المجتمع اللبناني !
مشهديات من فترات بعد الظهر و بداية السهرة و حتى فجر اليوم التالي ….
أنطوان يزبك*
تعود من الوظيفة بعد الظهر بين الساعة الرابعة والخامسة ،جارك في الأول يغسل سيارته في منتصف الطريق في الحيّ الضيّق . مع كل الطرطشة و التطبيس تنجح في الدخول إلى البناية وتهمّ بدخول المنزل بحذاء مغمّس بالماء والصابون والوحل ،فتأكل عيطة من زوجتك التي هلكت وهي تنظف كل النهار وتمسح بلاط البيت فقد خرّبت عليها عمل نهار شاق من الأشغال الشاقّة …
المهم في الموضوع أن الجار الذي يغسل السيارة ، هو نقطة استقطاب في الحيّ ، تقوم زوجته وتنزّل صينية قهوة( إلى المغسل ) فتتحلّق حولهما شلّة راقية من خيرة الجيران أصحاب الرقيّ الحضاري ، ويبدأ احتساء القهوة والضحك والصهصلة، و أنت بحاجة لبعض الهدوء بعد نهار من المعاناة في العمل مع زملاء أحبّاء ” خلوقين “من نسل العناكب والعقارب و الأفاعي و القتلة والشياطين و شذّاذ آفاق !
يحلّ المساء جارتك أم داود في الطابق الرابع مدمنة مسلسلات تركية، ترفع صوت التلفزيون وتجبرك على الإصغاء الى الحلقة كاملة فلا تفوتك كلمة من الحوارات ، شجن وقهر ، ذروة من الانكسار والدموع مع فريد و وحيد و سيف و دالية و شاهيناز و برواز و درباس و عباس وابن فرناس ، فتدخل عالم كآبة الانهيار العصبي الذي لم تغادره أصلا لأنك فشلت في حياتك العاطفية بعد محاولات حب مريرة حين منع عنك الشفاء من تداعياتها أصلا .
مدام لوسي في البناية المحاذية وشقتها على مستوى شقتك تدرّس التوأم العبقري : نينا و لينا (الشباك مفتوح دائما ) ونسمع المسطرة في يد الأم الساديّة تهبط لسعا على الأبدان الطريّة و يليها البكاء المختنق المكبوت ثم ترفع عقيرتها : راجعو ال conjugaison بدّي سمّع بعد شوي ويلّي ما رح تعرف بدي أقصف عمرا ….نفحات من التربية الحديثة المثمرة ، آه من قواعد اللغة الفرنسية ، كم شقيت جرّاها أنفس و اختصمت …
بعيد منتصف الليل يصل الجار الذي يعمل متأخرا ويطلق زمّور السيارة بشكل جنوني فيوقظ حيّا بكامله يحاول سكانه النوم ، و ينادي على أبنائه : تعوا زقوا الغراض ….يبدو أنه لا يحمل جوالا ولا يستعمل الانترفون على بوابة البناء …
السادسة صباحا ، الجار الثمانيني الذي تلاشت حاسة السمع لديه بنسبة سبعين بالمئة ويرفض استعمال جهاز تقوية السمع ، يصرّ على الاستماع إلى موجز الأخبار على الراديو من إذاعة باللهجة البدوية وهو قابع في مركز العمليات المفضل لديه : الشرفة … جار خدوم يوقظنا في الصباح الباكر بدل المنبّه لا يجب أن نتذمّر ، لا بل علينا أن نشكره خصوصا أن الشارة الموسيقية لنشرة الاخبار هي موسيقى عسكرية ؛ نفير حماسي يدعوك الى الحرب والجهاد !
بلد لذيذ. رقي حضاري مبالغ به كتير هيك علينا حضارة و أخلاق ….نيال من له مرقد عنزي في أحياء المدن المكتظة بالعمران والضجيج ! ….




